مطـر وخـوف .. وقلـق !!
حينما يشدني الحنين .. لبعض ذكريات السنين .. والتي أسعد بها كثيراً .. وقد اتألم من بعضها أكثر .. وقد أشفق على نفسي في بعض أحداثها .. وأفخر في البعض الآخر .. ومع كل ذلك .. فإنه لا تبارحني ذكرى هذه الحادثة .. التي لا أعرف كيف أصنفها .. ففي تلك الأيام الماضية .. متباينة الأحداث .. ومتنوعة الظروف .. بما فيها من القلق والخوف .. وما فيها من الجزع والألم .. والإستعانة بالله لرفع الهمم .. كانت هذه الحادثة إحداها ..
في ذلك اليوم الذي أشتد على ابني الألم .. وقد سبقته أيامٌ قلائل .. وهو يُعاني ألماً كان خفيفاً في بدايته .. لذا لم نعطه ذلك الإهتمام .. وحينما أشتد به .. ولم تنفع معه بعض وصفاتي المعتادة .. وقد أخذ ابني حبيبي مكانه ذاك متمدداً في تلك الصالة .. في شقة سكن أعضاء هيئة التدريس بجامعة المؤسس .. وبعد أن رأيته على تلك الحالة .. قررت أن أذهب به إلى المستشفى .. وقد أخترت حينها مستشفى حي الجامعة الخاص .. والذي أصبح أسمه الآن .. أندلسية حي الجامعة .. نعم ذهبت به وقد كان الجو في ذلك الوقت .. يُنذر بقرب هطول المطر ..
في طوارئ تلك المستشفى الخاصة .. وبعد الكشف المباشر على حالة ولدي .. أتضح أنه يُعاني من ألم الزائدة الدودية .. وأنه لابد من إجراء العملية .. فحالته حرجة جداً .. وقد كنتُ أسمع هذا الحديث من الطبيب .. وكلي خوف وقلق كبير على ولدي .. وحينها بدأ المطر خارجاً ينهمر قليلاً قليلاً .. أخبرت زوجي بما قال الطبيب .. وبما أنا فيه من قلقٍ وخوف .. واتفقنا على أن نذهب به إلى طوارئ المستشفى الجامعي .. رغم نصح الطبيب لي بعدم إخراجه من المستشفى .. ولعلمي بقرب المسافة .. واطمئناني من حالة الجو حينها .. خرجت به سريعاً وبصحبة أخيه الذي يكبره عمراً .. متجهين إلى طوارئ مستشفى جامعة الملك عبدالعزيز بجدة ..
في الطريق .. وفي ذلك المساء .. كانت الأحوال الجوية مطمئنة .. ثم أصبح الجو مُخيفاً نوعاً ما .. فالمطر لا زال ينهمر .. والبرق يخطف الأبصار .. والرعد يُخيف كل الأعمار .. بل يُخيف كل الأنس والجان .. فنكثر من التسبيح للخالق المنان .. حينها سرنا بسيارتنا مسرعةٌ بحذرٍ شديد .. فالمستشفى الجامعي غير بعيد .. غير أني كنت آراه جداً بعيد .. وعندما وصلنا طوارئ المستشفى .. عندها نزلت من السيارة مُسرعة .. وطلبت كرسي مُتحرك .. لنقل ولدي سريعاً .. إلى داخل قسم الطوارئ .. وأنا أحمد الله أن وصلنا سالمين .. في تلك الظروف الممطرة ..
وفي تلك الليلة أيضاً .. كان قسم الطوارئ على قدمٍ وساق .. ومع تلك الأحوال المنذرة بقرب هطول أمطار أكثر غزارة مما نحن فيه .. لم يستحمل ذلك السقف المستعار مايحدث .. فقد بدأ يُسرب المياه في بعض مناطق الإنتظار .. ورأيت أنهم سارعوا بتوزيع سطول بلاستيكية .. ووضعها تحت هذه المناطق لتجميع المياه فيها .. كما أنه مع تلك الأحداث من الرعد الشديد والبرق الخاطف .. لم يتمالكوا أنفسهم من الثبات في أماكنهم .. بل كانوا يتناوبون لمشاهدة تلك الأحداث الممطرة .. وأنا كنت مثلهم .. أذهب لأرى ما أحدثه الرعد وأيده البرق .. ثم أعود سريعاً عند ولدي .. الذي كان يتلوى ألماً .. وينتظر فرجاً ..
ونحن في ظل ذلك الحال من المطر والإستنفار .. قدم شاب إلى قسم الطوارئ مفجوج الرأس .. فقد سقط من دورٍ علوي .. وحالته حرجة .. عندها التفت جميع الكادر الطبي في الطوارئ إليه .. وهب بعضهم لمعاينة الحالة وإسعافها .. وأنا في كل ذلك .. لا زلت أنتظر .. وكلما رأيت الالآم باديةٌ جداً على وجه ابني .. أركض إليهم مُستنجدة .. راغبةً فقط في الكشف عليه ومعرفة حالته ..
وفي إحدى هذه المحاولات .. قدم معي ذلك الطبيب السعودي الخلوق .. وبمجرد أن كشف على ابني .. ورأى هلعي وجزعي .. جاوبني حازماً .. الآن تعملي اجراءات التنويم وبسرعة .. والعملية لازم نسويها في أسرع وقت .. حمدت الله على ذلك .. وأتممت إجراءات دخول ابني سريعاً .. وحاولت أن أرافقه .. لكنهم رفضوا .. لكون تنويمه كان في قسم الرجال .. عندها استودعته الله .. وودعته وأنا قلقة عليه .. وذلك لعدم إمكانية تواجدي معه .. ولعدم السماح لنا بوجود أي مرافق معه .. لكونها كانت غرفة تنويم مشتركة .. وبالتالي عدنا إلى البيت بعد أن استودعناه الله .. راجين من الله أن يهون عليه الآمـه .. وأن تكلل تلك العملية بالنجاح .. ويخرج لنا سالماً من كل مكروه ..
وبعد أن مضت ساعات تلك الليلة المفزعة .. وأنا متطلعة لبزوغ فجر اليوم التالي .. كانت الساعات تمر ثقيلة مزعجة .. ورغم ذلك كنت متمسكة بخيوط الأمل .. بأن تكون الأمور يسيرة .. فلطف الله جداً كبير .. وهو سبحانه بحالنا بصير ..
وفي الساعات الأولى لنهار ذلك اليوم الجديد .. علمتُ من أخيه الذي يصغره .. والذي زاره قبل الجميع .. أن العملية قد تكللت بالنجاح ولله الحمد .. وأنه قد تم تنويمه في غرفة مستقلة .. عندها أحسست بالراحة والاطمئنان .. وعندها كذلك أخذت عيناي تبحث عن النوم بسلام .. وأنا حامدة شاكرة لعطايا الخالق عز وجل ..
لم تطل إغفاءتي طويلاً .. حيث أنني بادرت بالذهاب إلى ولدي حبيبي .. قبل صلاة الظهر لذلك اليوم .. وأنا حامدة شاكرة أن يبدل خوفي اطمئنانا .. وانزعاجي راحةً وأمانا .. فسبحانه بعباده خبيراً بصيرًا .. ولحالهم مطلعاً ومعينًا ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق