الحج زمان .. وكيف كان !!
بما أننا في موسمْ الحجْ .. فإنني سأسردْ لكمْ ذكرىَ .. أولْ مرة قمتْ بآداء فريضة الحجْ .. حينَ كنتْ في بداية مرحلة الشبابْ نوعاً ما .. في ذلكَ الزمنْ الجميلْ ..
كانتْ طقوسَ الحجْ حينها .. تختلفْ تماماً عنْ ماهو عليه الآن .. ليسَ من ناحية الشعيرة .. كعبادة وآداءٌ لها .. ولكنْ من ناحية الإستعدادْ .. والفرحة بإكمالها .. في الماضي .. كانَ على من يَنوي الذهابْ .. لآداء شعيرة الحجْ .. أن يبحثْ له عن رفقة .. تُعينه على ذلك .. لكونِها عبادة ليستْ باليسيرة .. فهيَ لمنْ أستطاعَ إلى ذلكَ سبيلا .. وكانوا رفقاءَ في الحلِ والترحالْ .. أياً كانَ نوعه .. وأياً كانتْ درجة صُعوبته ..
أذكرْ أنه .. كانَ يقومْ عدد مُعين من الرجالْ .. بالذهابْ إلى مشعرْ مَنى .. وذلكَ في بداية مُوسم الحجْ .. كي يتم تحديدَ المكانْ .. الذي ستُنصبْ فيهِ الخيامْ .. واختيارْ المكانْ الذِي ستُجهز بهِ دورة المياه الصغيرة .. وعندَ حلولْ اليومْ المُحددْ .. للقيام بتلكَ الرحلة الإيمانية الجَميلة .. يُوضع في تلكَ السيارة الكبيرة .. كلْ مايلزمْ من خيامْ ومفرُوشات .. ومُلحقاتها من أغطية ومَخدات .. وكذلكَ توضعْ أدواتْ الطبخْ المُتعددة واللازمة .. خلال مُدة آداء شعيرة الحجْ .. وكذلكَ يتمْ تأمينْ المَئونة الكافية .. لأيامِ الحجْ الفضيلة .. وهذهِ كانتْ تشملْ .. المواد الغذائية الضرُورية جداً .. والمُنظفات الصحية اللازمة .. وبخاخاتْ الحشراتْ الطائرة والأرضية ..
وفي يومْ الإنطلاقْ .. لآداء شعيرة الركنْ الخامسْ في الإسلامْ .. فإنَ كلْ سكانَ الحِي .. يعرفْ بهذا الحدثْ المُهم .. فالكلْ يخرجْ لتوديعهم .. صغاراً وكباراً .. ويوضعْ على منازلْ هؤلاَء الحاجينْ .. إلى بيتِ الله الحرامْ .. علمْ مُلون تميُزاً له .. عنْ بقيةَ المنازلْ في الحَي .. نعم .. يُودعونهم بالدموعِ والدعَاء .. بأنْ تحُوطهم عناية ربُ السمَاء .. وأنْ يحميهمْ في رحلةِ الجهدِ والعناءَ .. وتنقطعْ أخبارهمْ تماماً عنهمْ .. فلاَ وسيلة للتواصلِ معهمْ .. حتىَ يحينْ موعدْ عودتهمْ .. بعد آداءَ الفريضة بسلامةِ الله إلىَ بيوتهمْ .. فــتترقبهمْ القـلوبُ قبل الأبصارْ .. ويُتوقع حضورهمْ ليلاً أو نهارْ .. إذا كتبَ اللهُ لهمْ .. السلامةَ منْ كلِ مكروهٍ وأخطارْ ..
أذكرْ أنهُ في رحلتِي الأولىَ تلكْ .. لآداءَ فريضةِ الحجْ .. أنْ أستقلينَا جميعنَا .. تلكَ السيارةِ الكبيرة .. نحنُ وأغراضنَا المُتنوعة مَعنا .. ومَعنا بعضَ الجيرانْ وعائلاتهمْ .. سرنَا بتلكَ السيارةِ المُحملة .. بكلِ مايخطرْ .. ومالاَ يخطرْ على بالكمْ .. من موادٍ وأغراضْ مُرتبة علىَ سقفهَا .. والذي كانَ يئنُ من تراكمْ تلكَ الأشياءِ عليهِ .. حتَى تصلْ سيارتنَا بسلامةِ الله .. إلى المكانْ المُحددْ مُسبقاً .. في مشعْر مَنى .. عندهَا يترجلُ الرجَال .. بقوةِ وصلابةِ الجبَال .. حتى يتمْ نصبَ الخيامْ .. وتهيئَة الحمامْ .. وركنَ الطبخْ وتجهيزْ الطعامْ .. وعملْ خيمة مُستقلة للرجالْ .. تبعدُ قليلاً عنْ خيمةِ النَساء .. كي يسْتمتعُوا بوقتهمْ فيهَا .. صُبحاً ومَساء ..
وأيضاً أذكرُ أنهُ كانَ يتمْ ذبحْ خِراف مُحددة .. لتأمين الغذَاء لكل الحجاجْ .. في تلكَ الرحلةِ الإيمانية .. ومنْ ثمَ يتمْ طبخُها أيضاً .. منْ قبلَ الرجَال .. وتجهيزهُا وتقديمُها للجميعْ .. ومُقدماً للسيداتْ .. واللواتِي عليهنَ إعدادْ القهوةَ والشاي .. لكل فردْ فِي هذَا الركبْ .. الراجي رحمةَ ربه .. والعودة كمَا ولدتُه أمَه .. وعلىَ النسَاء أيضاً أعمالُ النظافة .. وترتيبْ المكانْ خلالَ أيامَ التواجدْ فِي مشعرْ مَنى .. رحلةٌ إيمانيةٌ جَميلة .. وحياةٌ تشاركيةٌ فريدةٌ مِن نوعَها ..
وفِي يومِ الوقفَة .. فِي نهار عَرفة .. فذاكَ يومُ جهادٍ يُصعب نسيانُه .. لمَا فيهِ من تعبٍ ونصبٍ وعناءَ .. وانتظار لزوالِ الشمسْ عن كبدِ السَماء .. رغمَ الإنشغالْ بالذكر والدعاءِ والعبادة .. وإعدادْ الطعامْ فِي عجلْ .. علىَ غير العَادة .. وإذا زالتْ الشمسْ عنْ كبدِ السمَاء .. وحانتْ ساعة النــفرَة .. نكونْ قدْ حزمنَا كلَ أمتعتنَا .. وعلىَ أهبةِ الإستعدادْ للإنطلاقْ .. معْ كلَ المُـلـبـيـنْ إلىَ مشعرْ مُزدلفة .. مُستقلين تلكَ السيارة .. رفيقـتُـنا في آداء ذلكَ النُسك العظيمْ .. وهناكْ .. أعْني في مُزدلفة .. يتمْ من قبلِ الجميعْ .. رجالاً ونساءَ .. وبروحانيةٍ عَالية .. وبحرصٍ بالغْ .. جمعُ الحَصى .. ذو الحجمْ المُناسبْ .. لرمِي الجمراتْ في أيامِ التشريقْ الثلاثة .. وفي هذهِ الشعيرةُ تحديداً .. يتمُ جمعُ الحصَى بمتعةٍ كبيرة .. نعمْ أتذكرُها تماماً .. حيثُ كنَا نبحثُ بحرصٍ واهتمامْ .. عنْ الحجمْ المُناسب وإكمالْ العددْ المطلوبْ .. ونحنُ في بحثنَا هَذا .. لسنَا بعيدينْ كثيراً .. عنْ المقرْ الذي وضعنَا فيهِ رحالنا .. مُنتظرينَ على قلقْ .. وقتَ الإنطلاقْ .. للقيامْ برمِي جمرة العقبةِ الأولَى .. كيْ نتحللْ منْ الإحرامْ .. مُرددين تكبيراتْ العيدَ الكبيرْ ..
عندهَا تبدأ مراسمْ العيدْ في مشعرْ مِنَى .. وفي خيمتنَا تلكْ تحديداً .. والتي تركناهَا نهاراً وليلة .. كي نعودَ لها بشوقِ كلِ حاجٍ منَا .. لقضاءِ أيامَ العيدْ الثلاثةُ بهَا .. نعمْ نرتدي جميعُنا رجالاً ونسَاء .. لباسَ العيدْ .. مُهللين ومُكبرين .. فرحينَ مسرورينْ .. وللهِ حامدينَ شاكرينْ .. ونكررْ أيضاً رمَي الجمراتْ الثلاثْ في اليومينْ التاليينْ .. فِي الأوقاتْ المُحددة لها .. ونقضِي بقية اليومْ .. إما بينْ الجلوسْ في الخيمَة .. أو التجولْ في سوقْ مِنَى المُؤقت .. لشراءَ هدايا هذهِ الرحلة المُباركة .. وبعدَ انقضاءَ المُـدة المُتفـق عليهَا .. نكـررْ مُهمة حزمْ الأمْتعـة .. بحرصٍ واهتمامٍ كبيـرْ .. وشوقٍ ليسَ له ما يُوازيه .. كي تتـمْ رحلة العُـودة بسلامةِ الله .. إلى جدَة ..
وخلالْ أيام الحَج .. يطلقْ على منْ تخلفَ عن آداءَ فريضة الحجْ .. مُسمَى الخُليفْ .. وبعضهمْ يُسميهم دَاجينْ .. كما يتمْ الإحتفالْ والإهتمامْ بمنْ قامَ بآداءَ الشعيرةُ الإيمانيةُ تلكْ .. حيثُ تصبُ لهمْ عندَ الحلواني .. صوانِي الحلاوة الهريسْة المعرُوفة حُينها .. وحينَ يصلْ حجاجْ بيتُ الله الحرامْ .. سالمينَ غانمين لدورهمْ .. كانتْ تصلهمْ تباسِي الحلاوة المُعدة لهمْ .. فرحاً بعودتهمْ .. وعلىَ أهل البيتْ قسمة كلْ تبسِـي منها بالنصفْ .. والإحتفاظ فقط بنصفْ الكمية .. وإرجاع النصفْ المُـتبقي في التبسي منْ حلاوة الهريسة .. مع بعضْ هدايَـا الحجْ من أقمشة وتفاسيرْ جَميلة لها علاقة بالحجْ .. يتمْ شراؤهَا من سوقْ مِنَى .. خلالْ أيام التشريقْ .. كمَا يضافْ أيضاً للتبسِي .. مُستلزماتْ صُنع القهوة العربية المعرُوفة .. برائحة الهيلْ المُميزة .. عاداتٌ جميلة جداً .. تزخرْ ذاكرتي بمشاهدهَا الرَائعة ..نادرة الوصفْ ..
نعمْ هيَ أيامٌ قليلةٌ وفضيلة .. ولها ذكرياتٌ جميلةٌ جميلة .. وهي عبادةٌ جليلة .. بروحانيةٍ عالية .. ومشاركة مُجتمعية رائعة .. وشكرٌ لله على تفضلهِ وكرمهِ وإحسانه .. على حجاجْ بيتهِ المُعظم .. بأنْ أعانهم على حجهمْ .. وبأملْ أن يتقبلهُ منهم .. وشكرٍ على أن أعادهمْ لدورهمْ .. سالمينْ غانمينْ .. آملينْ أن يكونوا مغفوري الذنوبْ .. مُتطهرينْ من كل الخطايَا والسيئاتْ ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق