9/01/2022

الجوع .. وما يفعل !!

 الجوع .. وما يفعل !! 



 

حينما قررت أن أشارك ولأول مرة .. في عرض إحدى نتائج أبحاثي على شكل بوستر .. أقف بجانبه .. أشرحه لمن آراد الإستزادة .. وبشرحي له كان يريد الفائدة .. نعم .. حينما فعلت ذلك .. أدركت أنه كان قراراً خاطئاً .. على الأقل بالنسبة لي .. لكوني شعرت بأن ذلك لم يُناسبني حقيقةً .. لكوني أعتدت أن أشارك في المؤتمرات العلمية مُتحدثة .. مُبينة الموضوع الذي أتكلم فيه .. وأناقش من آراد معرفة المزيد .. أو آراد التعليق ..



كانت تلك المشاركة في مدينة باريس .. عاصمة فرنسا .. وكانت هي المرة الأولى التي أذهب فيها إليها .. وكان هذا المؤتمر يعقد في مبنى فخم به قاعة كبيرة جداً .. لمشاركات المتحدثين .. وساحة أيضاً واسعة .. لمشاركات العارضين .. وكنت أنا من ضمن هذه الفئة الأخيرة .. والتي أحسست فيها بإنزعاج نوعاً ما .. رغم حضوري مقتطفات من بعض اللقاءات العلمية .. والتي حدثت خلال تلك اليومين الخاصة بالمؤتمر ..



وكنا قد أخترنا أن نقيم لتلك اليومين أو الثلاثة .. في فندق قريب من الموقع .. الذي يعقد فيه المؤتمر .. كان هذا الفندق صغيراً نوعاً ما .. كعادة معظم الفنادق الأوروبية .. له ساحة سفلية مناسبة لتناول الأفطار بها .. لذا استحملنا البقاء فيه حتى تنتهي مهمتي العلمية .. ثم ننتقل لمناطق أخرى مختلفة في باريس الجميلة .. لأيامنا المتبقية القليلة ..



وفي اليوم الأول من المؤتمر .. وأنا ذاهبة إليه .. وحين كنت أرتدي ذلك الحذاء غير المريح .. وأنا في طريقي سائرة .. إذ أحسست بإنزعاج من تلك الحذاء ذات الكعب .. والتي فعلاً أحسست منها بالتعب .. نعم .. حينها لمحت في مكانٍ ليس ببعيد .. مكانٍ لبيع الأحذية النسائية .. ذهبتُ إليه مُسرعةً ومُتفائلة .. أريد حذاءً جديداً .. مُناسباً ومُريحاً .. أخترتُ سريعاً مما وجدت .. وبدلتُ ذلك الآخر المُزعج .. بالجديد المُريح .. وذهبتُ بحماسي المعهود .. لأكمل نشاط ذلك اليوم ..



وفي مساء اليوم الثاني .. وبعد أن تناولنا عشاءنا في مكانٍ ليس ببعيد عن مقر إقامتنا .. وبعد أن خلدنا للنوم لفترةٍ ليست بالطويلة .. إذ نسمع صوت جرس الإنذار .. كان صوتاً عالياً ومتواصلاً .. عندها قمنا من النوم على فزع .. فهذه حادثةٌ أول مرة تحدثُ لنا .. خاصةً حين سمعنا الطرق المتواصل على باب الغرفة .. عندها الفزع الشديد تملكنا .. والطلبُ المُلح يوجه لنا .. أن أخرجوا وأتركوا كل شيء .. وصوت جرس الإنذار المستمر .. لا زال مُرعباً ..



  لم نعرف ماذا سنفعل !! .. فالأمر في ثواني .. أصبح مُخيفاً .. والقرار سريعاً .. نعم علينا أن نغادر الغرفة .. بل الفندق وعلى وجه السرعة .. تاركين كل ممتلكاتنا واثباتاتنا في الغرفة .. ونسلم بأرواحنا فقط .. خرجنا مُسرعين هاربين .. فقط وضعت منشفة على رأسي مُغطية لشعري .. ونزلت معهم مُسرعة من سلم الطوارئ .. ومعي زوجي .. أو بالأحرى أنا معه .. فقد كان حامياً لي ومحتمياً بي .. والخوف ردائنا .. والقلق رفيقنا .. والحيرة تملاؤنا .. والجرس يرعبنا .. فما الذي حدث ياتُرى .. !!  



وبالفعل .. فقد بدأنا نشم رائحة الدخان .. وقد انتشرت الرائحة في كل مكان .. نعم لقد خرجنا .. وتركنا كل شيء في تلك الغرفة العلوية .. فلم نحمل جوازاتنا .. ولم نتذكر نقودنا .. فالروح مُطالبة الآن بإنقاذ نفسها فقط .. نعم تركنا كل شيء .. وسرنا في مخرج الطوارئ .. ذلك السلم اللولبي .. متزاحمين خائفين .. وعن المخرج باحثين .. ونحن من مختلف الجنسيات .. لم ينظر أحدنا إلى الآخر .. ولم نميز بعضنا من نحن .. ومن أين .. كلنا يجمعنا حب الحياة .. والبحث عن السلامة .. وليس لأحدٍ منا على الآخر ملامة .. نعم كلنا كلنا .. نريد الحياة والنجاة .. والسلامة من الأذى ..



وقد كانت السلامة لنا جميعنا ولله الحمد .. فبعد أن وصلنا إلى الدور السفلي من الفندق .. وبالذات أمام مكتب الإستقبال .. اكتشفنا أن الحريق قد حدث في المطبخ .. كون أحدهم قد نزل في ذلك الليل .. وقد هاجمه ذلك الجوع العنيف .. وعندها نزل مُسرعاً يبحث عن الرغيف .. وبعد أن وضع قطعة الخبز تلك .. في المحمصة الخاصة بها .. وفي تلك اللحظة .. يبدو أنه قد فاق جوعه ذاك .. شيٌ آخر مهم .. المهم أنه صعد إلى غرفته .. ناسياً لها تماماً ..



وكان مصير هذه القطعة في المحمصة .. أن أحترقت بالكامل .. وقد تصاعد الدخان الكثيف منها .. في سكون ذلك الليل .. وعليه فقد أصدرت أجهزة الإنذار .. صوتاً عالياً لذلك .. هرع من أجله سريعاً كل من في الغرف .. والهلع من المصيبة يحيط بنا ويلتف .. ولكن عندما عرفنا السبب .. زال من الجميع التعب والنصب .. ونحن بالذات .. حمدنا الله كثيراً كثيرًا .. فهو بنا عالماً وبصيرًا .. وعدنا إلى غرفتنا مسرعين .. وإلى النوم مشتاقين ..

 

 


هناك تعليق واحد:

  1. الإبداع والتشويق والكفاح والأمل ترافق ما تنثريه من كلمات سعادة البروفيسورة فشكراً جزيلاً لكِ على ما تقدميه لنا من إبداع.. والحمدلله على سلامتكم

    ردحذف

ومضات .. تؤرخ مسيرة !!

  ومضات .. تؤرخ مسيرة !!     حين كانت ساعة ذلك القرار .. القرار الذي اتخذته عن اقتناع .. والذي قد يكون تفاجأ به الجميع من الزميلات .. ألا وه...