9/08/2022

رحيل .. رجل نادر !!

 رحيل .. رجل نادر !! 

 



لقد تداخلت أزمنة بعض أحداث حياتي .. التي سردت بعضها لكم .. لذا ستعذروني بالأكيد .. في عدم إلتزام الحدث بالتوقيت .. فهناك أحداث .. أياً كان نوعها ووقعها .. وظرفها ووقتها .. وإن طوتها الأيام .. فهي بالتأكيد لا تزال متشبثةً في الذاكرة .. نعم .. هي راسخةٌ على مر السنين .. وقودها ذلك الحنين .. لأيامٍ وساعاتٍ مع أحبتي الطيبين ..



في سنتي الأخيرة .. لدراستي في مرحلة الدكتوراه .. وحين كنتُ كما يُقال .. في عنق الزجاجة .. أغالب الوقت .. فيغلبني تارة .. وأغلبه تارات .. جاءني ذلك الخبر المزعج .. الذي وقعَ عليَ كالصاعقة .. إنه خبر وفاة والدي الغالي .. خبرٌ زلزل كياني .. وبعثر توازني .. لقد توفى أبي رغم عدم قربه التام مني حينها .. لكنَ فقد الوالد .. ليس كأي فقد .. وغيابه الطويل .. ليس كأي رحيل .. أنَ مجرد التخيل بإني لن آراه ثانيةً أبداً .. أفقدني توازني .. فقد أرعبني كثيراً ذلك التخيل المزعج .. وهي للأسف كانت الحقيقة المؤكدة .. والتي لا مفر منها .. والتي سنسلمُ بها .. شئنا أم أبينا .. 



نعم .. لقد رحل عنَا ذلك الرجل .. نادر الوجود .. القوي العنيد ذو الصمود .. المكافح المُعين المُتعاون .. الشهم الكريم في العطاء .. المتحدث اللبق الحليم ذو الدهاء .. نعم رحل عنَا .. تاركاً مكانه خالياً .. فلم ولن يوجد مثل أبي .. ولن يكون من يعوض مكانة أبي .. فقليلٌ مثله والله ..



كان والدي رحمة الله عليه .. له نظرةٌ ثاقبة .. ورؤيةٌ مستقبلية واعدة .. وذلك حين ترك قريته .. باحثاً عن الأفضل له ولأسرته .. وحين كابد الحياة الصعبة .. وهو ذلك الرجل الأمي المُحب للعلم .. ودليل ذلك .. حين بادر بتسجيل بناته في المدارس الحكومية .. قبل الكل .. وحين أصر على موقفه وقراره ذاك أمام الجميع .. وحين أصبح قدوةٌ متميزة .. يتحدثون عنه في المجالس .. ليس في ذلك فقط .. بل في كل أحداث حياته .. رحمة الله عليه ..



ومن مواقفه النبيلة الرائعة .. أن جعل داره في حي الرويس .. مضيافاً لكل من يأتي من القرية .. وكان ذلك يُحسب له كثيراً .. حين كان بضيوفه مرحباً .. وبواجبهم قائماً .. ولمشاغلهم مُسهلاً .. ولمشاكلهم حالاً .. نعم .. كان بيتنا مفتوحاً لجميع الأقارب على الدوام .. مقدماً لهم الراحة والمعونة والمنام .. وظل بيتنا كذلك .. حتى بعد أن تركنا حي الرويس .. وغادرناه إلى حيَ المكرونة أو عنيكش كما يسمى سابقاً .. وقد أعتدنا على وجود الضيوف كثيراً .. نخدمهم بحب .. ونستقبلهم بلطف .. ونودعهم بشوق ..



ورغم إنتقال والدي إلى مدينة جدة .. إلا أنه لم ينقطع عليه رحمة الله عن القرية .. وكذلك نحن .. فلم نتركها نهائياً .. ولم يمنعنا والدي عنها .. بل بالعكس كان حريصاً جداً .. على الذهاب لأقاربنا في القرية .. خلال الإجازة الصيفية .. وقضاء مدة كافية فيها .. نستمتع بالحياة معهم .. بكل الطقوس القروية الجميلة .. والحياة البرية اللطيفة .. وكان أحياناً كثيرة .. يتركنا فيها ويعود إلى مدينة جدة .. لقضاء مصالحه المختلفة .. وبعد أن يشتاق لنا ونشتاق له .. يعود لنا والدي بكل حب .. ونعود معه بكل شـوق .. إلى بيتنا في حي الرويس .. وحياتنا الجميلة فيه ..   




ويالها من أحداثٍ جميلة .. تلك التي تكتنز بها ذكرياتي .. عن أيام طفولتي وشبابي

خاصةً في أيام الإجازات السنوية .. وأنا أمارس الحياة القروية .. بكل حب وسعادة .. حين كان والدي يرحمه الله يرافقنا فيها .. ويُسعدنا قدر إستطاعته بها .. حياةٌ بسيطة وجميلة .. وفترةٌ عمرية رائعة .. برعاية والدي عليه رحمة الله .. المتميز فكراً وحديثاً .. موقفاً وشهامة ..



وفي آخر سنوات عمره .. هاجم والدي الحبيب مرض الألزاهايمر .. فلم يرحم ضعفه .. ولم يقدر هيبته .. نعم لم يشفق عليه للأسف .. بل أنهكه كثيراً وأنهكنا أكثر .. لقد كان مؤلماً جداً عليه .. ومؤلماً لنا أشد الإيلام أيضاً .. أن نراه في تلك الحالة .. ولكن هذه آرادة الله .. ولا راد لحكمه وإرادته ..



وفي يوم وفاته تحديداً .. وحين رأيته حبيبي مُسجى مستقبلاً القبلة .. في تلك الغرفة .. وكأني آراها وآراه فيها الحين .. نعم كان هناك .. منتظراً من ينقله إلى دارٍ أخرى .. تبعدهُ عنَـا وتبعدنا عنه .. قيل لي .. أنه أغمي عليَ من هول المصيبة .. التي وجدت نفسي فيها .. وكما قيل لي .. فقد تجمع أخواتي حولي .. يريدون إفاقتي .. والإطمئنان على صحتي .. 



وأنني إذ أسرد لكم ومضتي هذه باكية .. مُتذكرةً لكل مراحل حياتي .. وهو حبيبي بجانبي .. نعم .. لقد كان منذ صغري بجانبي .. منذ فرحته بي عندما تم دخولي للمدرسة .. وحمله لي عالياً فرحاً وفخراً .. وخلال تعبه اليومي المعتاد .. في توفير جميع متطلبات حياتنا .. وفي حرصه وإهتمامه بنا جميعاً .. وحتى آخر زياراته المفاجئة لي في بيتي .. كي يغمرني بحديثه وطيبته واهتمامه .. أو حتى في زياراتي المتكرره له في بيته .. كي أسعد برؤيته .. والإنصات لحديثه .. والإطمئنان على صحته .. رحمك الله يا والدي الحبيب .. وجمعني بك في مستقر رحمته ..  

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ومضات .. تؤرخ مسيرة !!

  ومضات .. تؤرخ مسيرة !!     حين كانت ساعة ذلك القرار .. القرار الذي اتخذته عن اقتناع .. والذي قد يكون تفاجأ به الجميع من الزميلات .. ألا وه...