ذكريات .. مركز النـانـو !!
كانت أربع سنوات جميلة .. ومنجزة ورائعة .. تلك التي قضيتها في مركز التقنيات متناهية الصغر (النانو) .. حين كُلفت بأن أكون نائبة لمدير المركز .. الأستاذ الرائع .. والمغفور له بإذن الله .. بروف سامي حبيب .. وقد تقلدت ذلك المنصب .. بعد أن تم إتصال بروف سامي عليَ تليفونياً .. وأقنعني بذلك .. وقد وافقت على توليه بكل طموح ورغبة في الإنجاز .. وصدر قراري حينها .. بأن أكون نائبة مدير مركز النانو بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة ..
كان هذا المركز المتخصص يشغل مساحة محددة جداً .. من مركز الملك فهد للبحوث الطبية .. بجامعة المؤسس .. وقد شغلت هذا المنصب لفترتين متتاليتين .. أي لمدة أربع سنوات .. كانت سنوات منجزة بجد .. كانت لنا اجتماعاتنا المتتالية .. ونقاشاتنا الهادفة .. وخططنا المدروسة .. وأهدافنا المرسومة .. وكنا كلنا .. أنا وبروف سامي يرحمه الله .. وكل الطاقم من الباحثيين والإداريين .. على قلب رجلٍ واحد .. هدفنا النجاح والتطوير .. والإنجاز والتقدير .. وتحقيق مخرجات بحثية نانونية .. جديرة بالنشر العلمي العالمي المميز ..
ورغم ذلك .. وبكل حرصي على ذلك .. لم أستغل المركز لأغراضي الشخصية ولله الحمد .. أي أنني .. حتى لم أستطع أن أنجز بحث واحد في هذا المجال .. لكونه لم يكن هناك .. وأعني في مركز النانو حينها .. من له اهتمام بالتطبيقات العلاجية النانونية .. ضد الأمراض الطفيلية .. وأعني في الفترة التي كنت أشغل فيها ذلك المنصب ..
كانت اجتماعاتنا المتوالية .. تهدف إلى التوسع في المركز .. وتقديم دورات متخصصة في هذا النوع المتقدم من العلوم .. وبالفعل كان لنا ما أردنا .. حيث عُقد أول مؤتمر لعلوم النانو .. في جامعة الملك عبدالعزيز .. وتحت رعاية مركز التقنيات متناهية الصغر .. وكان مؤتمراً ناجحاً .. حوى محاضرات متميزة .. وجولات ممتازة .. لمعامل مركز النانو .. والترتيب لعمل بحوث بينية عالية المستوى ..
كانت مدة إشرافي تلك .. مع المرحوم له بإذن الله .. بروف سامي حبيب .. حسب ظني .. هي العصر الذهبي لذلك المركز المتقدم .. حين تم تزويده بكل ما يلزم .. من أجهزة متقدمة عالية المستوى .. باهضة التكاليف .. ولكنه للأسف .. فقد حدث مالم نكن نتوقع .. ففي إحدى إجازات المنتصف بين الفصلين الدراسيين .. حيث كنت حينها .. أستنشق عبير المنطقة الشمالية من مملكتنا الحبيبة .. خلال إجازة عيد الأضحى المبارك .. حين رفض أولادي جميعهم .. مرافقتي ووالدهم .. في تلك الرحلة الجميلة .. حينها .. علمت من أولادي .. أن جدة الحبيبة .. قد اكتسحتها السيول الجارفة .. وأن الحالة فيها .. أصبحت جداً مؤسفة .. بل مأساوية ..
في ذلك اليوم المزعج .. وتلك الذكرى المزعجة أيضاً .. ونحن في حال مغادرتنا لمنطقة بريدة .. وفي طريقي إلى مدينة الجوف تحديداً .. عندها تلقيت إتصالاً من بروف سامي عليه رحمة الله .. قائلاً لي بالحرف الواحد .. " عظم الله أجرك في مركز النانو" .. جاوبته مستفسرة بإنزعـاج .. "ليش أيش فيه .. أيش اللي صار!!" .. وذلك لكوني لم أكن أعلم بعد .. بكل تلك الأحداث .. بعدها اتواصلت مع أولادي .. وعلمت ماحدث لمدينة جدة .. ولحي الجامعة تحديداً ..
جاوبني بروف سامي يرحمه الله قائلاً .. "معظم أجهزة النانو الموجودة في بدروم المركز .. قد غطتها مياه السيول .. وأنها قد تلـفت في الغالب" .. كان يحدثني حزيناً جداً ومنزعجاً .. وقد قابلت حديثه بإنزعاجٍ مثله .. فلقد بذلنا في سبيل إحضار تلك الأجهزة المتطورة .. وملحقاتها المتعددة .. الجهد الكبير .. والوقت الكثير .. والمال الوفير .. ولكن قدر الله وماشاء فعل .. فلا حول ولا قوة إلا بالله ..
ورغم حزني فقد أكملت رحلتي .. ووصلت إلى مدينة الجوف .. وحظيت بالزيتون الممتاز من تلك المنطقة المميزة .. وكذلك بزيت الزيتون الفاخر .. واللبس التقليدي الخاص بها .. ونمنا فيها ليلة واحدة فقط .. ومن ثم عدنا أدراجنا .. ناوين الوصول إلى مدينة جدة .. ولكن عندما علمنا من أولادنا .. ما حل بها وما حالها .. وأن الحال في البيت أبداً لا يسر .. وأن الخروج منه أصبح أمراً لازماً .. عندها طلبنا من الأولاد .. أن نلتقي بهم في بيتنا .. في قرية ثول ..
وبالفعل .. اجتمعت الأسرة بفضل الله ورحمته وكرمه .. في بيتنا بثول .. وقضينا فيه يومين ولم تزيد .. فعندما هدأت الأمور .. واستقرت الأحوال نوعاً ما .. عدنا جميعنا إلى جدة .. والتي أصبحت حقيقةً .. كأنها مدينة أشباح .. بالذات في جزئها الجنوبي .. حيث الجامعة وسكن أعضاء هيئة التدريس .. نعم .. عدنا نتأمل ما حدث لها .. ودمر جمالها .. وأرهق حالنا وحالها .. ونحن في كل ذلك .. نحمد الله على السلامة .. في كل وقتٍ وحين ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق