رحلة لندن .. المكوكية!!
حين كنت منهمكة في الإنتهاء من شغلي العملي لمرحلة الدكتوراه .. كانت أيامها حرب الخليج قد بدأت .. وحين تحدد موعد مناقشتي .. أخبروني أن وصول الممتحنين للرسالة .. سيطول .. للظروف السياسية وقتها .. وأن ذلك قد يحتاج إلى سنة كاملة .. تزيد أو تقل شهوراً .. فما رأيك ؟!! ..
قلت لهم موضحة .. لقد كنت أعمل ليل نهار .. وأقضي الساعات الطوال .. كي يتحقق لي إنجازاً فريداً من نوعه .. فهل أضيع وقتي الآن في الإنتظار .. لكي يتم السماح للمشرف جون باريت .. ولزميليه الممتحنين البريطانين .. بالدخول إلى السعودية .. بالطبع لا .. لن أنتظر ..
لذا بادرتهم وقلت لهم .. أنا سأذهب إليهم .. جاوبني بإستفسار وإنبهار .. أنتِ تروحي لهم !! .. قلت له نعم .. ولن أنتظر .. نعم سأذهب وبكلِ حب .. قالوا ولكن ستتحملي أعباء سفرك المادية .. قلت لهم .. طيب عليَ عليَ ماعندي مشكلة .. المهم ما اتأخر عن ما أصبو إليه ..
فما كان مني .. إلا أنني طبعت خمسة نسخ من الرسالة المعدة بصورتها النهائية .. وأرسلت منها ثلاثة نسخ بالبريد السعودي .. إلى مشرفي بروف جون باريت .. وواحدة سلمتها لمشرفي الفاضل بروف باناجه عليه رحمة الله .. وواحدة احتفظت بها لي .. دونت عليها ملاحظاتي المهمة جداً .. والتي لا زلت أحتفظ بها حتى يومنا هذا ..
وفي اليوم الثامن من شهر ذي الحجة .. لعام 1419 هـ .. الموافق 26 مارس 1999م .. كنت على موعد مهم جداً .. في قاعة مخصصة بمتحف التاريخ الطبيعي بمدينة لندن .. نعم .. موعد كنت انتظره منذ سنوات .. وعملت من أجله كل الإستعدادات .. كي أحقق فيه إنجازاً مميزاً .. وقد كان ولله الحمد ..
في نهاية ذلك الممر العلوي .. كانت تلك القاعة الأخيرة .. والتي حوت طاولة مستديرة كبيرة .. وقد أخذ مشرفي بروف باريت ومعه بروف باناجه .. زاوية معينة منها .. وعلى مسافة غير بعيدة جلس الممتحنان البريطانيان .. واحداً من جامعة أبرستوث في ويلز .. والآخر من جامعة كينجز كوليج بلندن .. وقد حضر أيضاً لتلك المناقشة .. من السعودية رئيس القسم حينها .. بروف عمر الطاهر .. في حين كان زوجي ينتظر خارجاً ..
وبعد دردشة بسيطة منهم عن إنجازي لمرحلة الماجستير .. وما حققت فيها من إنجاز .. انتقلوا للحديث عن منجزات رسالة الدكتوراه .. وقد بدأ الممتحن من جامعة لندن .. بالكلام عن السعودية وعن بعض أبحاثه العلمية .. وكل هذا لتلطيف الجو .. ثم سألني أسئلة بسيطة عن تجميع القواقع وكيف تمكنت من ذلك .. وعن تشريح القوقع وإنجازه .. وعبر عن مدى إعجابه بآداء رسالة علمية بكل هذه الفصول ..
وبعدها انتقل الكلام للمحكم الآخر من جامعة أبرستوث .. وأيضاً أثنى على الرسالة .. مبدياً إعجابه من خلوها من أي غلطة علمية أو مطبعية .. رغم زخم النتائج الموجودة بها .. وهنا وجدتها فرصة كي أطلب منهم إضافة بسيطة على الرسالة .. عندها أستغرب جميعهم .. ومنهم بروف باناجه .. قائلاً .. ماذا ستضيفين ياناجية ؟؟ .. قلت له ولهم وأنا مبتسمة بسعادة .. هو شيء بسيط .. فقط مخطط من صفحة واحدة .. يظهر تسلسل خطوات عملية متتابعة .. بصورة مريحة يسهل إتباعها والسير على خطاها .. دون الحاجة لقراءة كل الرسالة .. عندها ضحكوا واطمأنوا .. وأشاروا علي بوضعها في مكانها الملائم .. وبعدها طلبوا مني الخروج .. والإنتظار خارجاً لبرهة ..
وماهي إلا دقائق .. وطلبوا مني الدخول مرة أخرى .. ودخل معي زوجي .. ثم بادر الممتحن الخارجي .. بتهنئتي بقبول الرسالة بدون تصويبات علمية أو مطبعية .. وبعدها هنأني الجميع لذلك .. وحمدت الله على كريم فضله .. وقد فرحت كثيراً حينها .. وأحسست بالفخر أكثر .. كونها قبلت بدون أدنى تعديل .. وقد أخبروني بأنك تستطيعي تغليفها الآن .. ونحن ننتظرك .. حتى تعودي بها إلينا .. قلت وبكل حماس نعم أريد .. فقط دلوني أين أذهب ؟؟..
وبالفعل .. نزلنا أنا وزوجي للمكان الذي أرشدونا إليه .. وطلبت تغليف النسخ بصورة مستعجلة .. ودفعت قيمة ذلك سريعاً .. وعدت إليهم كي أسلمهم النسخ وهي مغلفة جاهزة .. وخرجت من تلك الغرفة .. كي أرى المتحف .. أتجول في ممراته وساحاته .. وأنا منتشيةٌ بالفرح .. ومتزينةٌ بالفخر .. هاقد كلل الله تعبي بالنصر والتوفيق .. هاقد زال مني كل ضيق .. وكل ألم .. وكل سهر .. وكل قلق .. هاقد تحقق المنجز السعودي الذي كنت أحلم به ..
وفي اليوم التالي تماماً عدت إلى جدة .. كي أحتفل مع أولادي بعيد الأضحى المبارك .. ولقد حمدت الله كثيراً على ما حققت .. حيث كنت بذلك أسرع طالبة تحصل على الدكتوراه .. في برنامج الإشراف المشترك .. لكوني سجلت فيه عام 96م وتخرجت منه عام 99م .. ورغم أنني سجلت في الدفعة الثانية .. أي بعد زميلات الدفعة الأولى بسنة .. إلا أنني تخرجت معهم ولله الحمد .. ويكفيني فخراً وإعتزازاً بذلك ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق