ماذا فعل .. اللولب !!
مرت سنوات عمري .. جميلةٌ ولله الحمد .. مستمتعةٌ بصحبة طفليَ .. "محمد ومنى" .. وبعد أن ًأكملت صغيرتي التسعة شهور من عمرها .. انتقلنا إلى سكن أعضاء هيئة التدريس .. بجامعة الملك عبدالعزيز .. حيث استلمنا شقة علوية أيضاً .. وبدون مصعد ولثالث مره .. لكنها كانت مميزة جداً .. بقربها من المسجد .. ومن ملاعب الأطفال أيضاً ..
كان أكثر ما يميز تلك الشقة .. قربها أيضاً من الجامعة .. وحيث كانت حينها .. كافية لنا تماماً .. بل أكثر من احتياجنا .. انتقلنا لها وطفلتي .. لم تكمل السنة من عمرها .. وبعد أن أكملت عامها الثاني وبضعة أشهر .. بُشرت ببوادر حملي لطفلي الثالث .. وكنت به سعيدة جداً .. سعيدةً لأملي بأن يكرمني الله .. بأخ أو أخت .. لطفليَ اللذان أحبهما كثيراً كثيرا .. لكني .. كنت خائفةً جداً من ذلك الحمل ..
نعم .. كنت خائفة .. لكوني حملت على "اللولب" .. وهو آداة لمنع الحمل .. كنت قد أستخدمتها بعد ولادتي لأبنتي الحبيبة .. وكان هذا "اللولب" حينها .. غير شائع الإستخدام .. وأنا كعادتي دائماً .. أكون مع كل جديد .. فكنت من أول من جازف بإستخدامه .. وفي خلال أيام حملي اللطيف جداً .. ولله الحمد .. كنت أيضاً أموت رعباً في كل جلسة نسائية .. حين أسمع منهن .. عن مضاعفات وأضرار "اللولب" .. لمن جازفت ووضعته .. وعن أنه يبني عليه جسم الطفل .. مسبباً تشوهات جنينية خطيرة ..
نعم .. عشت حالة نفسية سيئة للغاية .. لكوني حامل على "اللولب" .. وشعرت كذلك بخطورة وضعي .. في مستشفى الحرس الوطني .. حيث أن ملفي الطبي الورقي حينها .. كان مكتوباً عليه بالخط العريض .. والذي يستطيع الجميع قراءته .. "حمل على اللولب" .. حيث يتم دخولي للعيادة بمجرد وصولي .. فلا يشملني الإنتظار أبداً .. ولقد كان حملاً ظريفاً .. مصاحباً لإهتماماً مخيفاً .. وشهورٍ كلها قلق .. وتخوفٍ دائمٌ وأرق .. وكل من في عائلتي الحبيبة .. عرف أنني حاملٌ على "اللولب" .. والكل كان يدعي لي .. متمنياً لي ولطفلي السلامة ..
ورغم كل خوفي وقلقي الكبير .. إلا أنني في قمة جمال المرأة الحامل .. المهتمة بصحتها وأناقتها .. مدوامة على ذهابي لشغلي .. في قسمي الحبيب .. فلم اتأخر يوماً أو أغيب .. مؤديةً تدريسي بكل إبداعٍ وإتقان .. لبعض مواد شعبة الحيوان .. فقد درست مادة "لافقاريات" .. ومن ثم انتقلت إلى حبيبتي "الطفيليات" .. رافضةً التعاقد مع متعاقدة أجنبية .. طالما أنا موجودة .. أستاذةٌ سعودية .. ونظراً ولله الحمد لكفائتي في التدريس .. وسمعتي المتميزة .. فقد أيدني في ذلك .. كل رئيس ورئيسة .. في قسم الأحياء .. بكلية العلوم ..
وفي صباحٍ هاديء وجميل .. وبشائر يومٍ سعيد .. ذهبت مسرعةً إلى طوارئ مستشفى الحرس الوطني .. وبالفعل تم نقلي على وجه السرعة .. إلى جناح الولادة .. فملفي يلفت النظر .. ويظهر أنني الحالة الخطر .. وحين حدوث كل هذه الأحداث .. تم إخبار والدتي بأمري .. وهي حبيبتي تعلم أين سأكون .. وبالفعل .. فقد حضرت ترافقني .. رحلة الآم ذلك اليوم .. وهي تتمنى سلامتي .. دون فضاضةً أو لوم .. وفي غرفة الولادة تلك .. التي حوتني ووالدتي الحبيبة .. ومن تعبها الغالية .. فقد أخذت على كرسيها ذاك .. إغفاءةً بسيطة .. وكنت حينها أنظر إليها وأدعو لها .. فقد عانت من أجلنا الكثير .. ولا زالت حينها دون أي تقصير .. فدعوت الله أن يحفظها لنا .. ويطيل في عمرها ..
أثناء إغفاءة أمي البسيطة .. حضرت الممرضة لتطمئن عليَ .. وكنت حينها في ألمٍ شديد .. فاضطرت أن تفحص وتتأكد .. وعندها .. وبكل سهولةٍ وجدتها .. قد سحبت ذلك "اللولب" .. مباركةً لي زوال الخوف والقلق .. ووضعته على الطاولة بجانبي .. هنا .. أرتحت أنا كثيراً كثيرا .. لسلامة جنيني الصغيرا .. فذلك "اللولب" كان بعيداً عنه .. ولم يضره أو يزعجه .. والحمدلله على عطايا الرحمن .. التي لا تعد ولا تحصى ..
وحين أنتبهت والدتي حبيبتي .. من إغفاءتها البسيطة .. بشرتها بزوال القلق .. فـ "اللولب" هاهو موجوداً على الطاولة .. فلم يضر جنيني ولله الحمد .. عندها فرحت والدتي أيضاً .. مع استغرابها لصغر حجمه .. وكبر قلقنا منه .. وقد ضحكت على ذلك .. وضحكت معها رغم الآمي .. ولا زلت أذكر ما قالت وكأنها أمامي .. الله يرحمها كانت شخصية مداعبة .. وجميلة .. وقوية .. و لا يوجد مثلها أبداً والله .. الله يرحم والدتي الحبيبة .. ويجمعني بها في مستقر رحمته ..
وفي تلك اللحظة بالتحديد .. وكأني ولدت من جديد .. فقد أنتهى خوفي من ذلك "اللولب" المزعج .. وقد تمت ولادتي طبيعياً .. ورزقت بصغيري الجميل .. في ذلك اليوم السعد .. وقد أسميته "فهد" .. لكنه انتشر بيننا تسميته "فهد لولب" .. كنايةً عن ذلك الحدث .. ونحن نضحك بسعادةٍ وحب .. ونتذكر المعاناه .. والخوف والقلق الذي عشناه .. في ذلك اليوم ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق