تجديد الذكرى .. ليش!!
في ذلك المساء .. الذي أذكر أحداثه تماماً .. ومكان جلوسي .. حين تلقيت ذاك الخبر .. حين رن جرس التليفون .. وحين يريد الله .. أن أرد أنا على ذلك الإتصال .. وحين يكون الطرف المتصل .. هو مدير المستشفى التي وضعت فيه ابني .. فقيدي الأول .. وحين يسأل عن زوجي .. سائلاً حضوره إلى المستشفى .. وعلى وجه السرعة .. حين ذلك كله .. أعيد شريط ذكرياتي المؤلمة .. عن ما تعرضت له في ولادتي .. لطفلي الفقيد .. منذ ما يزيد عن شهر أو أكثر ..
نعم في ذلك اليوم .. الذي عانيت فيه من تعسر ولادتي .. كانت هناك حالة أخرى .. لسيدة أخرى .. غير سعودية .. كانت في حجرة مجاورة .. وكلانا .. قد تم إجراء العملية القيصرية لها .. وكلانا .. قد فقدت وليدها .. وكنت أعتقد أن كلينا .. قد قام بدفن فقيده .. حزيناً باكياً .. لكن تلك السيدة .. لم يكن زوجها حاضراً معها حين ولادتها .. ولم يتم استلام طفلها ودفنه في حينها .. وهنا كانت المفاجأة ..
نعم .. فحينما ذهب زوجي لمقابلة مدير المستشفى .. فوجئ أن الموضوع غير ماكنا نعتقد .. وأن الطفل الذي تم دفنه .. لم يكن طفلنا .. بل هو طفل السيدة .. التي تمت ولادتها .. في ذات الليلة الحزينة .. وأن طفلنا لا زال موجوداً في الثلاجة لديهم .. وأن الذي فجر هذه المشكلة .. وإكتشاف هذا الخطأ المزعج .. هو أن زوج هذه السيدة الأخرى .. عندما ظهر .. قد طلب معرفة سبب وفاة المولود .. كما طلب تشريح الجثة .. ورضوخاً لطلبه .. عادوا لثلاجة المستشفى .. وعندها اكتشفوا الخطأ .. حيث أن الموظف في تلك الحادثة الحزينة لكلينا .. قام بتسليم الطفل الآخر لنا .. وتم دفنه من جهتنا .. وأن طفلنا الذي هو لنا .. لا زال حتى ذلك الوقت .. في ثلاجة المستشفى ..
عندما عاد زوجي للبيت .. وتحت إلحاحٍ مني .. وسؤالي له .. ماذا يريد منه مدير المستشفى .. أضطر أن يخبرني بكل ذلك .. عندها انهمرت باكيةً حزينة .. وعندها أيضاً فهمت بوضوح .. لماذا كانت أوصاف أمي يرحمها الله لطفلي .. تختلف تماماً .. عن تلك التي قالها لي زوجي .. نعم كانت جداً مختلفة .. وكنت حينها لم أعيرها الإهتمام .. لكن في تلك اللحظة بالذات .. ظهرت الصورة واضحةً أمامي .. فكلاً منهما شاهد طفلاً مختلفاً .. والدتي حبيبتي يرحمها الله .. رأت طفلي بعد الولادة مباشرة .. وزوجي شاهد الطفل الذي سُلم له من الثلاجة بالخطأ .. وهو ليس طفلنا .. يالها من مأساة .. تجدد فيها حزني لفقدي وليدي .. بإهمالٍ لا أعرف له سبب ..
بعد تلك الليلة الحزينة .. لم يكن أمامنا .. إلا أن نأخذ طفلنا الحقيقي وندفنه .. ونواسي أنفسنا على ماقدر الله لنا .. وكسب زوجي لذلك أجر دفن كلا الطفلين .. وبعدها دخلت في حالة نفسية صعبة .. اضطررت فيها أن أذهب لطبيبي .. أريد حلاً .. أريد راحتي النفسية من هذا الوضع .. الذي أزعجني كثيراً .. وقد بادرني قائلاً .. لن أعطيك حبوباً مهدئة .. تريح أعصابك .. ولن أنصحك .. إلا بالصبر على ما أصابك .. فهذا أمر الله وقد نفذ .. والخطأ الذي حدث ..لم يكن لينفذ .. مالم كانت إرادة الله واردة .. ونحن لها راضيين ومستسلمين .. ولقضائه مدركين .. وأنني لكِ من الناصحين .. بأن تكوني من الصابرين ..
قال لي طبيبي متأملاً .. أن الله سيعوضك طفلاً آخر .. ينسيكِ ما حل بكِ .. سألته .. لكن ما الحل في مثل حالتي .. خاصة وأن ولادتي كانت قيصيرية .. ولا أريد أن أكررها مرة أخرى .. أجابني .. ممكن أن تكون ولادة طبيعية .. إذا التزمت بما سأقول لكِ .. جاوبته بحماس ولهفة .. نعم سألتزم .. وبكل حب .. فأنا أريد طفلاً بدل ما فقدت .. أريد أمومتي التي سلبت .. عندها ودعني مهدئاً .. ولحالي متفهماً .. وليَ داعياً .. أن يرزقني الله ما أرجوا .. وأن يلطف بحالي ويحنو .. وأن يكتب لي الخير في مستقبل أيامي .. وأن يحقق لي كل أحلامي ..
عدت لمنزلي حزينة باكية .. فإن ذكرى الفقد قد تجددت .. وراحتي الآن قد تبددت .. نعم .. أريد طفلي الذي فقدته .. ولمت نفسي كثيراً على إهمالي .. لصحتي في حملي .. وعلى اندفاعي .. في أخذي لأبرة الظهر .. وعلى وعلى وعلى .. حتى غلبني النوم تلك الليلة .. حزينة نادمةٌ باكية .. نعم نمت .. وأنا أحلم بطفلٍ جديد .. سليمٌ معافى ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق