11/29/2021

الرويس .. وحنين الذكريات

 

الرويس .. وحنين الذكريات 




قبلَ أن أختمْ حديثي عن ذلكَ الحِي العريق .. حِي الرويسْ .. ولعلِي أستطيعُ ذلك .. فهو الحِي الذي عشتُ فيه سنواتٍ جميلةٍ من عمري .. ولِي بهِ الكثير من الحكاياتْ .. والمُثير من الذكرياتْ .. نعم .. قبلَ أن أختمْ الحديثَ عنه .. فإنِي سأسردُ لكم في ومضتِي هذهِ .. بعض ذكرياتِي .. التِي لا زالتْ متشبثةً في الذاكرة .. عن بعضْ أحداث حِي الرويسْ ..



فمنْ أغربِ الذكرياتْ وألطفها .. تلكَ الحادثةُ الصغيرة .. التي حدثتْ لنا ونحنُ صغيراتْ .. أنا وأختِي .. في بيتنا الأولْ بحِي الرويسْ .. سأختصرها لكمْ في عباراتٍ بسيطة .. وتبدأ عندمَا كنا فِي زيارةٍ لصديقتينا .. في بيتهمْ العامر .. وحينَ كانَ عندهم جهاز (البكب) .. والذِي يبدو أنهُ أشتقَ اسمهُ .. من كلمة (Pick Up) بالأنجلش .. وهو جهازْ يستعيدُ أصواتاً مُسجلةٍ على أسطواناتْ .. المهمْ .. أنهمْ وضعوا أسطوانةٍ تحملُ أغنية " جانا الهوى " للمبدع عبدالحليمْ حافظ .. وقد أحببنَا أنا وأختِي الأغنية .. فطلبنَا إستعارةِ الجهاز واسطوانتهِ منهم .. وبالفعلْ لم يعترضُوا على ذلكْ .. وحينَ ذهبنا بالمطلوبِ إلى البيتْ .. وقد أصبحنَا في اليومِ التالِي .. وكلنا حماسْ لسماع الأغنية .. وجدنَا أنهُ لا يستمرْ سارداً مُستمتعاً .. ونحن مُستمتعين بهِ .. كمَا كانَ عندهمْ .. بل يتوقفْ عند كلمةٍ مُعينة .. مُردداً لها باستمرارٍ مُزعج .. خفنا كثيراً منْ عقابِ والدتي .. لإعتقادها بأننا تسببنَا في إتلافهِ .. وطلبنا منهَا السماحَ لنا .. بالذهابِ إلى بيتِ الصديقاتْ .. وإعادةِ الجهاز .. وبالفعلْ ذهبنا بهِ لإعادتهِ لهم .. ولكنهمْ للأسفْ .. قاموا بتشغيلهِ سريعاً .. وقد سمعنَا أنهُ أخذ يرددْ تكرار تلكَ الكلمة أيضاً بإزعاجْ .. في نفسِ الوقتْ الذي نحنُ فيه .. نغادرُ منزلهمْ .. وكانَ موقفاً مُحرجاً لنا .. وبالطبعِ لا أنساه ..   


  

ومن ذكرياتِ الطفولةِ في بيتنا الأول بالرويس .. حينَ كنَا ننتظرْ ليلياً .. ذلكَ البائعْ الذي نُسميه "أبو حلاوة" .. حينَ يحضرُ مساءً من كلِ يومْ .. حاملاً على رأسهِ صحنٌ كبيرْ .. به مالذ وطابْ من الحلوياتْ والبسكوتاتْ اللذيذة .. وحين كانَ الذي يستطيعُ الشراءَ .. هو منْ يوفر من مصروفهِ اليومِي .. مبلغاً مُحدداً .. ليحصلْ به على بعضِ ما يحتويهِ صحنُ ذلك البائعْ .. وحينهَا يتباهىَ بذلك علينا .. مُستطيباً التلذذ بطعمهِ أمامَ أعيننا .. وكنتُ نادراً جداً .. ممن يُحقق هذا الإنجازَ الفريدْ ..



أيضاً من المواقفْ التي عاندتُ فيها كثيراً .. وعندما اكتشفتُ الحقيقةِ .. ندمتُ أكثرْ .. وهي مُداومتِي لفترةٍ ليستْ باليسيرة .. على تناول المكرونةِ بالجبنة البيضاء .. دونَ أن أتذوقَ ولو لمرةٍ واحدة .. تلكَ التي تتقنها أمي رحمةُ الله عليها .. وهي المكرونةِ بالبشاميل .. وفي يومٍ لا أنساه .. وعندمَا حدثَ ذلك .. وتذوقتُها .. حينها .. أدركتُ مدى البؤسْ الذي وضعتُ نفسي فيه .. عندهَا لم أعدْ أستسيغُ تلك .. التي دوامتُ عليها سنواتٌ طويلةٌ من عمري .. والتي على أساسها .. أصبحت هذه القصة .. مضربِ المثل في عائلتِي .. على إصراري وتمسكي بالرأي .. وعنادِي الشديدْ .. الذي تضاءل كثيراً الآن ..



وهنلك موقفٌ أيضاً .. لا أنساهُ أبداً .. ذلك الذي تعرضتُ فيهِ للطردْ .. من أمام بيتِ أحدهمْ .. وقد كانت أشرَ طردةٍ لي .. في يومٍ حزين .. نعم .. في ذلكَ اليوم .. خرجتُ بنيتي الطيبة .. لزيارةِ إحدى صديقاتِي في بيتهمْ .. الذي لا يبعدْ كثيراً عن بيتنا .. وبعدَ أن أنتهت زيارتِي لها .. قادتنِي قدماي .. لدكانٍ صغير .. كانَ مُجاوراً لهمْ .. وأنا في طريقِ عودتِي للبيتْ .. أخذتُ أدندنُ بصوتٍ عالي .. مُرددةً بتلحينٍ جميل .. أسم "فوزية" .. نعم كنتُ أقولهُ بتلحينٍ جميلْ .. مراراً وتكراراً .. ولم أفطنْ لما كنتُ أفعلْ .. حتى خرجَ رجلٌ من داره .. طارداً لي بعنف .. وزاجراً لي بشدة .. ومنبهاً بالتوقفِ عن ذلك .. عندهَا أدركتُ متأخرةً ومتأسفة .. أنَ هذا الإسم .. الذي أرددهُ بفنٍ ومزاج .. هو أسم زوجته .. عندها عدتُ للبيتِ مسرعةً .. جارةً أذيال الكسوفِ والإنكسارْ ..



أيضاً من ذكرياتِ طفولتِي المُمتعة .. في ذلكَ الِي العريقْ .. وفي بيتنا المُجاور لعدةِ بيوتٍ مُلاصقةٍ له .. عدا وجود شوارع صغيرة .. تفصلُ بيننا وبين بيوت الجيرانْ .. كان أحدها .. عبارةً عن زقاقٍ ضيقٍ طويل .. يصعبُ أن يمرَ فيهِ شخصان .. حدثَ لي هذا الموقفْ .. الذي كأني آراهُ الآن .. رأيَ العين .. نعم حدثَ في نهارٍ يصعبُ نسيانه .. حيث أرسلتنِي والدتِي يرحمها الله .. إلى إحدَى الجاراتْ .. والتي لابدَ كي أصلَ لها .. أنْ أسيرَ في ذلكَ الممر الضيقْ .. وأحمدُ الله أنهُ كانَ نهاراً .. ولم يكنْ ليلاً .. لكنتُ تجمدتُ من الخوفْ .. نعم في ذلكَ الزقاقْ .. وكنتُ قد قطعتُ نصف مسافتهِ تقريباً .. إذ بكلبٍ ضخمْ يقابلني من الجهةِ الأخرىَ .. يريدُ أيضاً المرورَ من ذلك الممرَ الضيقْ .. وهنا أحترتْ .. هل أتقدمْ أم أتقهقرْ .. هل أقفْ في مكانِي وأتسمرْ .. حقيقي لم أعرفْ ماذا أفعلْ .. في موقفٍ صعبٍ جداً .. فهذا كلبْ .. بل أسدْ .. كما يقول الفنانْ عادل أمامْ .. وقد منعنِي من التقدمِ للأمامْ 



وفي لحظاتِ الخوفِ تلكْ .. تذكرتُ ماعلمتنِي أياهُ أمِي .. يرحمها الله .. وكانتْ ترددهُ أمامنا .. عندما ترَى كلباً في طريقها .. ولقدْ ألهمنِي الله .. أن أرددهُ مستعينةً به .. على ما أنَا فيهِ من الخوفِ والهلعْ .. أرددُ قائلةً .. " كلب كلبلب .. غط رأسك وأرفع ذنبك .. محمد غلبك" .. وماهي إلا لحظات .. وأجد أن الكلبْ قد أسترخَى جسمهُ تماماً .. وتنحىَ جانباً .. وهدأَ هدوءاً عجيباً سبحان الله .. عندهَا حمدتُ الله كثيراً .. ومررتُ سريعاً بجانبه .. وأكملتُ طريقِي بهدوء دونَ أنْ ألتفتْ .. حتى وصلت لنهايةِ ذلكَ الممر الضيقْ .. سالمةً غانمة ..        



وفي واحدةٌ من أطرفِ الحكاياتْ .. وحين كنا طالباتْ .. في المرحلةِ الأبتدائية .. وقد سمحتْ لنا والدتِي بالذهاب .. مع بعض بناتِ الجيران .. لحفل زفافْ كان يبعدُ كثيراً عن بيتنا .. وكانت هي المرةُ الأولى والأخيرةِ لنا .. وأعني أنا وأختِي حبيبتي .. المهم .. أننا ذهبنا جميعنا سيراً على الأقدامْ .. ونحنُ مجموعةٌ لابأس بها .. من بناتِ الجيران .. فلا خوفٌ علينا ولا قلقْ .. فالأمور في الماضِي .. كانتْ دائماً بخيرْ



كانَ حفلُ الزفافِ ذاكْ .. تحييهِ المُغنية الشهيرةُ "ابتسام لطفي" .. وكانت ليلةً جميلةً جداً .. وكأني أعيشُ لحظاتها الآن .. نعم لقد كان حفلَ زفافٍ بهيجْ .. وليلةٍ جميلةٍ ممتعة .. وقد أمتعتنا هذه الفنانة بآدائها المُمتع الجميلْ .. ومن تلكَ الأغنيات التي أدتها تلك الليلة .. هي أغنية " جاني جواب منه" .. وقدْ ترسختْ كلاماتها في صميمِ ذاكرتنا .. أنا وأختي .. وفي اليومِ التالِي لنا .. عند أمِنا الحبيبةُ يرحمها الله .. أخذنا نرددُ بطربٍ وحبْ .. "جاني جواب منه .. يا فرحتي جاني .. ولما قريت منه .. السطر والثاني .. " وإذا بوالدتِي توبخنا وتحذرنا من قول هذَا الكلامْ .. وليتَ عقابها أنتهىَ بالتوبيخ .. بل كان عقابها صارماً .. وهي تتسائل معاتبة .. من هذا الذي جاكم جواب منه !! .. ولقد أوضحنا لها .. أنها أغنيةٌ سمعناها في فرح البارحة .. لكن ذلكَ أيضاً .. لم يشفعْ لنا .. فلقد نلنا أنا وأختي العقابْ .. ومن ضمنها الحرمان من الذهابْ .. لأي مشوار مع الجارات والأصحابْ .. 



هذه مجموعة ذكريات تتقافزُ في مخيلتي .. كلاً منها تريدُ الصدارة .. وهن كلهن .. لهن نفس التأثير والبزوغ والأهمية .. ولهن الحضوة والوجود والأولوية .. أحببت أن أدونها وأحفظها من الزوال .. وكلها حدثت لي .. في ذلك الحي الحبيب .. حي الرويس ..

  



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ومضات .. تؤرخ مسيرة !!

  ومضات .. تؤرخ مسيرة !!     حين كانت ساعة ذلك القرار .. القرار الذي اتخذته عن اقتناع .. والذي قد يكون تفاجأ به الجميع من الزميلات .. ألا وه...