11/25/2021

حياة الوالد .. سيرةُ كفاح

 

حياة الوالد .. سيرةُ كفاح




منذُ أنْ قدمَ والدي .. رحمةُ الله عليه .. منْ الديرة .. وأختارَ حي الرويسْ .. ليكونَ سكناً لهُ ولعائلتهِ الصغيرة .. حينَ كانَ هذا الحِي العريق .. يقعْ على أطرافِ جدة شمالاً .. وحينَ كانَ لا يبعدْ كثيراً عن شاطِئ البحر .. منذُ ذلك الزمنْ الصعبْ والجميل في ذاتِ الوقت .. بدأتْ تكتبْ سيرة والدِي في مُخيلتي .. نعم .. لقد رأيتُ أبي يرحمهُ الله في مواقفْ كثيرة .. بشخصيتهِ القوية .. وآرائهِ السديدة .. وإصرارهِ على الكفاح .. حتى بلوغ النجاح .. لكلِ أفرادِ أسرته .. نعمْ لنا جميعنا .. وبمساعدة والدتِي الحبيبة يرحمُها الله .. والتي كانتْ سنداً وعوناً لهُ .. ومضربْ مثلْ .. في بذل الجهد والكفاح .. والسهر حتىَ الصباح .. لتوفير حياةٍ كريمة .. لأسرتِها الصغيرة  



قيلَ لِي .. أنْ أبي يرحمهُ الله .. كانَ شخصاً فطناً .. ذكياً لماحاً .. فقدْ عرضتْ عليهِ في أولِ أيامهِ في الرويسْ .. وظيفة سائقْ باصْ .. وهو لا يعرفْ قيادةِ السيارة .. حيث قدمَ حينها من القرية .. عندها قالَ لأحدهم .. "وريني .. كيفْ تسوق" .. وبالنظر فقطْ .. نعم بالنظرْ .. شاهدَ الرجل كيفَ يقودُ سيارتهِ .. عندها استطاعَ والدي يرحمهُ الله .. أنْ يقود سيارة ذلكَ الرجل .. وبنجاح .. وعندما ذهبَ يرحمه الله .. لإستلامِ وظيفتهِ .. قالوا لهُ .. إنه باص .. وقد يكونْ صعباً عليك قيادتهِ .. قالَ لهمْ " لا تـقـلـقـوا .. كلهَا زي بعض .. العقلْ في الرأسْ والعلمْ في القرطاسْ" .. وفعلاً .. أستلمَ وظيفتهِ .. وعاشَ مستوراً ..



ثم بعدهَا .. وبعدَ أنْ جمعَ مبلغاً لا بأس بهِ من المال .. تفرغَ لعملهِ الخاص .. وهوَ مقهىَ على طريق المدينةِ حينهَا .. يقدمْ فيهِ وجباتِ الطعام من رز أبيضْ وسمك مَقلي .. ومشروبات بَاردة أو ساخنة .. لمنْ يرغبْ .. وفيهِ انشغلَ والدي كثيراً .. وأصبحنا لا نراهُ .. إلا ليلاً .. ونادراً جداً في النهار .. لكنهُ كافحَ ونالْ .. وحققَ بتوفيق الله المُحال .. وبعدَ سنواتٍ ليستْ بالقليلة .. غيرَ نشاطهِ هذا .. إلى نشاط تجاري .. لبيعْ المُستلزمات الغذائية .. ومن ثمَ الأدواتِ المكتبية .. كما أستطاعَ أن يشتري عدة قطعْ أرضية .. بنىَ فيها البيوتَ والعمائر .. وجاءهُ الخير .. وجاءتهُ البشائر .. ولقد تركَ لنا الخيرَ الكثير .. والذكرَ الجميل .. رحمكَ الله ياوالدِي الحبيبْ ..



كانَ والدي يرحمهُ الله .. في بداية حياتهِ .. رجلاً مُدخناً .. وقدْ تعبَ في حياتهِ منهُ كثيراً .. وكذلكَ تعبت أمي .. يرحمها الله .. في إقناعهِ بتركه .. وكان يرتادْ عيادة د. سعيد بدرَالدين .. الكائنة حينهَا في بابْ مكة .. لأخذِ العلاج اللازمْ .. حتىَ كانَ يومْ .. يبدو فيهِ أن الطبيبْ قد أزعجَ والدِي بالكلام .. فعادَ إلىَ البيت رافضاً الإستسلامْ .. لشربِ الدخانِ اللعينْ .. وبالله كانَ مستعينْ .. وقال عبارتهِ تلك .. "أنـا ماني رجال .. إذا يهزمنِي هذا البكـت" ووضعهُ تحتَ قدمه .. داعساً عليهِ بقوة .. والتفتَ بعدها بإصرارٍ إلى صحته .. جاداً بالإعتناءِ بها .. ومدوامة التغذيةِ الجيدة .. والنومَ الباكر .. ووالدتِي حبيبتِي يرحمها الله .. كانت تشجعُه .. وتوفر وتجهز لهُ كلَ ما يريدْ .. وبالفعل .. كتبَ اللهُ لوالدِي تركَ هذه العادةِ المُزعجة .. والمُعافاة ولله الحمدْ .. مما أصابهُ وأزعجه .. في بعض أيامِه في حي الرويسْ ..



لقد كُتبت سيرة أبي يرحمُه الله .. في مخيلتِي منذ صغري .. فمنْ أجملْ ما سمعتْ عن والدي .. وكمَا دونتهَا المجالس الرجالية .. التي كانَ يرتادها.. وكذلكَ من ألطفِ ما رأتْ عيني أيضاً .. حينَ كنتُ طفلةً صغيرة .. وحتى فِي شبابي .. وبقيةِ مراحلَ عمري .. هي شخصيتهِ الجميلةُ المرحة .. فقدْ كانَ يتوسط مجلسَ الرجال .. فهو يرحمهُ الله .. كانَ ذو شخصيةٍ مُختلفة .. مُتحدثٌ لبقْ .. وروحٌ آخاذة .. مرحٌ مع جدية ظاهِرة .. وعطوفٌ مع صرامة بادية .. يديرُ المجلسْ بعذبِ كلامِه .. وسلاسةِ أسلوبه .. رأيهُ سديدْ .. وقولهِ موجزٌ وحكيمْ .. لا يطيلْ الكلامَ كثيراً .. يتحدثُ كثيراً بالنظراتْ .. ونفهمْ منه ملخصَ العباراتْ .. رجلٌ قليلٌ مثلهُ والله .. رحمكَ الله ياوالدِي الحبيبْ .. 



لقد أتىَ والدي يرحمهُ الله .. من ديرتهِ .. باحثاً عن الأفضلْ .. وقد كان لهُ ما أرادْ .. بتوفيقٍ من ربِ العبادْ .. أتىَ إلى جدة .. لا يملكْ شيئ .. وقد تركَ لنا يرحمهُ الله .. كلَ شيء .. تركَ لنا .. ذكراً طيباً .. وسمعةً بارزة .. وعلماً نافعاً .. وأخوةً مُتحابة .. وفراغاً كبيراً جداً جدا .. لا يملائهُ أحدْ .. مهمَا حاولوا .. وقد توفاهُ الله .. وأنـا في نهايةِ مرحلةِ الدكتوراه .. حزنتُ على فقدهِ كثيراً .. وبكيتهُ أياماً وليالِي عديدة .. رحمكَ الله يا أبي .. وأسكنكَ فسيحَ جناتِه ..



وقدْ لا تصدقونْ .. أننِي أكتبْ ومضتِي هذهِ .. ودموعِي قد أغرقتنِي .. حزناً عليه يرحمهُ الله .. وشوقاً للقائهِ .. أريدُ أن أرتمِي في حضنهِ .. وأنْ أرتوي من حديثهِ .. وأنْ أشمَ رائحتهِ .. وأن أسعدَ بمداعبتهِ .. وأنْ وأنْ وأنْ .. ولكنْ .. ليسَ لِي من ذلكَ شيء .. سوىَ الدعاءَ بأنْ يجمعنِي اللهُ بهِ .. في روضاتِ الجنانْ .. عند ربٍ غفورٍ منـانْ ..




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ومضات .. تؤرخ مسيرة !!

  ومضات .. تؤرخ مسيرة !!     حين كانت ساعة ذلك القرار .. القرار الذي اتخذته عن اقتناع .. والذي قد يكون تفاجأ به الجميع من الزميلات .. ألا وه...