11/22/2021

والدتي .. وكفاحها الجميل

 

والدتي .. وكفاحها الجميل



عندما قدمتْ والدتِي رحمةُ الله عليها .. إلىَ الرويس .. ومعها ابنتيهَا .. وبصحبة والدِي الحبيبْ يرحمهُ الله .. كانت مُغامرةً بحياتها وحياتنا .. لمستقبلٍ لا تعرفْ حوادثه .. وأيامٍ تجهلُ خوافيها .. وأحداثٍ قد تسعدُها .. وقد تبكيهَا .. قدمتْ تاركةً قريتها .. وبها أختهَا ووالدتهَا .. جدتِي الغالية رحمةُ الله عليها .. نعم .. تركتهمْ إلى المجهول .. الذي تبحثُ فيه عن مستقبلٍ لأسرتها .. وبتشجيع كبير من رفيق دربهَا .. والدِي حبيبي يرحمهُ الله .. وبأن الحياةَ في جدة .. ستكون أفضلُ لهم ولإبنتيهمْ .. مع علمهمْ .. بأنها لن تكون رحلةً سهلة .. بل شاقةٌ إلى أبعد حدْ .. ورغمَ ذلك .. غامروا وصبروا .. وجاهدوا وسهروا .. كي يُحققوا لأنفسهمْ ولنا .. الحياةَ الكريمة .. ونحمدُ الله أن وفقهم لذلك ..  



قدمتْ والدتِي .. السيدةُ القروية .. إلى مدينةِ جدة .. المدينةُ المُتحضرة جداً بالنسبةِ لها .. وبعدَ أن أستقرَ الحال بنا .. في بيتنا الخاصْ .. مارستْ والدتِي كل ما تعرفْ من مهاراتٍ يدوية .. وأخرىَ حياتية .. فكانتْ بذلك .. نعمَ الزوجة المُعينة لوالدي .. في تدبير شؤونْ حياتهم اليومية .. بكل حبٍ واقتدار .. وقد حرصتْ على تأمين لوازمْ طعامنا .. ممَا تصنع يديها .. وممَا تربيهِ في حظيرتها .. سواءً من الغنم أو الدجاجْ .. وتوفير لنا كلَ ما نحتاجْ .. وقدْ كانت تنيرُ ليلنا فِي الرويسْ .. بإستخدام السراجْ .. وصغيرتيها معهَا .. يقمنَ بمساعدتِها قدرَ الإستطاعة .. 



كانت أمي يرحمُها الله .. حريصةٌ كل الحرصْ .. على تعلمْ كل المهاراتِ المنزلية .. من سيداتِ الرويسْ آنذاك .. فتعلمتْ شؤون الطبخ .. وبرعتْ فيه كثيراً .. وأستغلتْ فراغ وقتها .. في أشغال الخياطةِ بالأبرة .. أو بالماكينةِ اليدوية .. وأخذتْ تخيط الثيابَ المحاريد المعروفةُ في القريةِ حينها .. وأشتهرتْ بها .. وأصبحتْ تنفذها لمنْ يريدْ .. ويحبُ ارتدائها من رجالاتِ الرويس .. وبرعتْ كثيراً في أعمالِ التطريز .. فكانتْ تطرز بيوتِ المخدات .. وأغطيةِ المساندْ .. ونحنُ صغيراتها .. نكونُ حولها .. نساعدهَا قدرَ استطاعتنا .. وعندمَا بدأ التعليمَ الحكومي .. أصبحنا ثلاثـتُـنا .. الأم وبناتِها .. نجتمعْ على ضوءِ الفانوس .. وكلاً منا .. مُنهمك فيمَا لديهِ من مهامْ .. ويجبْ عليهِ إنجازها قبلَ المنامْ ..



ومن أروع المواقفْ لأمِي يرحمُها الله .. أنها عندما رأتنا كيفَ تعلمنا فِي المدرسة .. استخدام الباترون في التفصيلِ والخياطة .. قررتْ تعلمَ ذلك منا .. وبالفعلْ فقد تعلمنا .. وتعلمتْ والدتِي منا .. كيفَ ترسمْ الباترون .. وكيف تقصُ القماشَ عليه .. وكيفَ تخيطُ خياطةٍ نظيفة .. ولقدْ حرصتَ حبيبتي بكل حبْ .. على تعلمِ ذلكَ كله .. حتى أنها أتـقـنتها أكثرَ منا .. وحبتْ إنجازها أكثر .. وذاتَ مرةٍ .. وعندما أحضرنَا مجلةِ البوردا العالمية .. من إحدىَ الزميلات لنا .. سألتْ عنها .. وأعجبتْ بها كثيراً .. وقررتْ تعلمْ استخدامها .. وبالفعل .. فقد أحسنتْ الخياطةِ بها .. وبدأتْ تخيطُ ما تراهُ مناسباً لنا .. حسبْ إرشاداتِ هذه المجلةِ العالمية ..



أذكرْ أنهُ .. كانَ على أيامِنا الجميلةُ تلك .. كانتْ توجدْ زياراتٍ مدرسية .. لحضور معارضُها النهائية .. لكل عامٍ دراسي .. والتي تضمْ جميعَ أنشطة الطالباتْ .. والمهاراتِ المُختلفة .. التي تعلمنهَا خلال سنتهنَ الدراسية .. وتُعرض فيه منتوجَاتهن .. من تلكَ الأنشطة المُتعددة .. وكان ذلكَ يأخذْ منَا أسبوعاً دراسياً .. أو أيامٍ مُحددة .. ونقومُ نحنُ الطالبات .. بزيارةِ معارض المدارسِ المُختلفة .. وتستقبلْ مدرستنا أيضاً في يومٍ مُحدد .. بقيةِ المدارس .. لرؤيةِ أعمال طالباتِها .. وكانتْ والدتي رحمة الله عليها .. تستعدْ لهذا الأسبوعْ .. بخياطةِ أزياءٍ لنا .. وعلىَ أحدث موضةٍ رأتها .. وفعلاً كنا نتباهىَ ونفخرْ .. بما تبدعْ فيه والدتِي .. من تصاميمَ جميلة .. نرتديهَا في زياراتنا المدرسية تلكْ .. 



كذلكَ غرستْ فينا أمي يرحمُها الله .. حبَ الأناقة .. والظهورِ بالمظهرِ الجميلْ .. أمامَ الآخرين .. وعند كلِ مُناسبة .. اعتماداً على مقولةٍ تقولها لنا دائماً .. وهي " الجوعْ في الحشَا .. واللبسْ كيد العـدَا " .. وكانتْ تحرصْ على ذهابنا لكل مُناسبات الحِي .. من حفلاتِ الزفاف وغيرها .. وكانتْ يرحمُها الله .. هيَ التِي تحبُ الذهاب لهذهِ المُناسبات .. وتشجعُنا على ذلكَ كثيراً .. لتفعيل المُشاركات المُجتمعية .. والحرصَ على حضورها قدرَ الإمكانْ .. ولتحقيق الإستمتاع بالوقتْ .. لما لهُ من فائدة .. في تجديدِ الحيوية .. والعودةِ للدراسةِ والعملْ .. بكامل الرغبة والنشاطِ والحماسْ .. لذلك كنا نحرص على الذهاب لهذه المناسبات .. وأيضاً لابدَ أنْ نكون بقمةِ الإناقةِ والشياكة .. والتِي زرعتهَا فينَا والدتِي .. رحمةُ الله عليهَا ..  



ومن المهامِ الغريبة .. التِي أتقنتهَا والدتِي رحمة الله عليها .. والتِي رأتْ أنها ضروريةٌ جداً .. هيَ مهارةِ ضربَ الأبرْ .. فقد لاحظتْ أنَ والدِي يرحمهُ الله .. في حاجةٍ لأخذِ حقنةٍ يومية .. صباحاً ومساءَ .. كعلاج يومِي مُستمر .. لمدةٍ ليستْ باليسيرة .. عندهَا ذهبت أمي .. إلى مستوصفِ الرويس .. وطلبتْ من المُمرض حينهَا .. أنْ يعلمهَا على حقن الأبرْ .. عندمَا شرحتْ لهُ رغبتهَا .. في إعطائِها لوالدِي يومياً .. عندهَا طلبَ منها أنْ تحضرْ غداً .. ومعهَا برتقالة .. وبدأ فعلاً يُعلمها على ذلكْ .. بتفريغ مُحتوى الأبرة في البرتقالة .. حتىَ أتقنت تماماً هذه المُهمة جيداً .. ومن ثمَ بدأتْ تُعطيها لوالدِي .. بكلِ حبٍ وإتقانْ ..



وإنني إذْ أكتبُ ومضتِي هذه عن والدتِي .. فإني أعلمُ .. بأنني لنْ أوفيَها حقهَا أبداً .. ولنْ تكفينِي الأوراقْ .. لتدوينِ كل ماصنعتهُ أمي .. وكل كفاحِها وتعبهَا وصبرهَا .. في سبيل تنشئتنَا تنشئةً سوية .. وجميلةٍ ونافعة .. ولا يسعُني هنا إلا أنْ أقول .. رحلتِي يا أمي .. يارمزَ الوفاءَ .. رحلتِي ..  بعدَ أن عانيتِ كثيراً من البلاءَ .. وصبرتِي صبراً جميلاً .. نعجزُ عن وفائهِ لكِ .. إلا بالدعاءَ .. اسألكُ يالله .. ياواسعُ العطاءَ .. بأنْ تشملْ رحمتكَ .. والدتِي حبيبتِي .. ياربَ السماءَ .. وتجعلْ لها داراً مع الأتقياءَ السعداءَ .. وتجمعُني بها يالله يا أرحمَ الرحماءَ .. في جنةٍ عرضُها الأرضَ والسماءَ .. اللهم آميــن ..


 


 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ومضات .. تؤرخ مسيرة !!

  ومضات .. تؤرخ مسيرة !!     حين كانت ساعة ذلك القرار .. القرار الذي اتخذته عن اقتناع .. والذي قد يكون تفاجأ به الجميع من الزميلات .. ألا وه...