الرويس .. وماذا يعني لي!!
في مساءِ يومٍ لا أنساه .. قررَ الوالد يرحمهُ الله .. تركَ حي الرويس نهائياً .. كان ذلكَ القرار .. بمثابة الصدمةِ لي .. كيفَ ذلك !! .. وفي هذا الحِي عشتُ طفولتِي .. المُتباينة بين الشدةِ والمرح .. بين الدرس واللعبْ .. بين شوارعهِ تلك .. مشيت .. ولها يامَا نظفت واعتنيت .. وفيهِ كبرت وترعرت .. وتدرجت في مراحلِي الدراسية كلها .. لا .. رجاءاً .. لا أريد الرحيلْ .. نعم .. لا أريد .. ولكن ليس لِي باليد حيلة .. كي أستخدمها .. هي كلمةٌ نافذة .. وقرارٌ اتخذه الوالد يرحمهُ الله .. وسوف ننفذهُ طائعين .. ولإرادتهِ مستسلمين ..
عندها استسلمت لما أرادَ والدي .. رحمةُ الله عليه .. وكنت مُساعدة لوالدتِي .. طائعةٌ .. حزينةٌ صامتة .. تم تجميع كلْ مُتعلقاتنا في بيتنا الثانِي .. الحبيب الأنيسْ .. الذي حوىَ ذكرياتِي بين جدرانه .. وتنقلت بين غرفهِ القليلة وسطحهِ الصغير .. نعم .. عشتُ فيه بعضْ سنوات عمري .. وقد سبقتها سنواتٍ أخرى في بيتنا الأولْ .. وهي من أجملِ السنوات .. ولِي فيها الأجملْ من الذكريات .. رغمَ كل مافيها من عناءَ .. لكنها جميلةٌ بكفاحها .. بصبرنا وعملنا .. وجدِنا واجتهادِنا .. لنصلْ لما نريد ويُراد .. بتوفيقٍ من رب العباد .. نعم .. لقد لازمتْ الصمتْ .. ولازمتنِي الدهشة .. وأنا أجمع كلَ حاجياتنا على مَهل .. وبكل مَلل .. ونفسِي تحدثنِي .. كيفَ هذا !! .. وكيفَ يُمكن أنْ يحدث .. لكنهُ قدْ حدث ..
كنت بينَ كل فترةٍ وأخرىَ .. في يومِي الصعبْ ذاك .. أركنُ ظهري على جدار إحدىَ الغرف .. أتذكر تدرجي في هذا الحي .. منذ قدمتهُ وأنا طفلة الثلاثِ سنوات .. وها أنا أغادرهُ .. وأنا في بداياتِ السنة الثالثة لِي بالجامعة .. أي أنها سنواتٌ ليست باليسيرة .. ومرحلةٌ عمرية وفيرة .. بتنوع مراحلِها وذكرياتِها .. فهناك الطفولةُ البرئية .. ومشاغباتِها الجميلة .. وهناك المراهقةُ المُدهشة .. في فترة الشبابِ والحيوية .. وهناكَ وهناك الكثير المُثير .. من أحداثِ أهم مراحلِ حياتي .. في ذلكَ الحِي العريق .. والتي تشهدُ شوارعهُ ومنازلهُ .. على حبي لهُ ولأيامِي فيه ..
لقدْ لازمتنِي الحين .. وأنا أكتبْ لكم .. ضحكةٌ طويلة صامتة .. عن ذكرياتٍ جميلة .. حين تذكرت والدتِي .. رحمة الله عليها .. وهي تمارسْ تخويفنا بـ " حمار القايلة " .. كِي نلتزم الهدوءَ والسكينة .. في ساعاتِ الظهرية من كلِ يوم .. وكنا فعلاً نخافُ منه .. ونتوقعُ ظهوره .. ونسكنُ لذلك .. سكوناً عجيباً .. يجعلُ أمي ترتاح قليلاً .. ممَا نحنُ فيه .. من نشاطٍ غير طبيعي .. وحيويةٍ عجيبة .. أما في المساءَ .. فقد كان يتم تخويفنا أيضاً .. بشيءٍ آخر .. وهو "السعلـية" .. وهي تلكَ التِي لا نعرفْ لها شكلاً .. ولكن نعرفْ أنها تهاجمْ الأطفال .. الذين لا ينامون باكراً .. ويزعجونَ والدتهم .. ولا يجعلونَها تنام ليلتَها تلك .. بهدوءٍ وراحةِ بال .. ونظل لتذكرهَا خائفين .. حتى نغطْ في نومِنا العَميقْ ..
ومن الذكرياتِ الغريبة .. التي لا زالتْ أحداثها .. تترددْ على ذاكرتِي كثيراً .. رافضةً الزوال .. والإنزواءَ والإضمحلالْ .. والتي حدثت لنا في بيتنا الأولْ .. بحي الرويسْ .. ففي يومٍ غير اعتيادي .. هاجَ وماجَ بين بيوتِ ذلك الحي .. ثورٌ جسور .. انطلقَ يجري راكضاً .. في الأزقةِ الصغيرة لذلكَ الحِي .. كان فعلاً ثورٌ هائجْ .. لا نعرفْ من أين جاءَ .. وهو لا زالَ في مُخيلتي .. وكأني آراهُ الآن .. حيث كنا نترقبْ مرورهُ .. من أمام بابِ بيتنا .. كي نغلقْ ذلك البابَ سريعاً .. مُختبئين منه خائفين .. فهو لا يعرفْ رحمةً ولا حنان .. وهو هائجٌ حيوان .. فلن يرحمْ أي إنسان .. يراهُ في طريقه .. فالغضبْ قد أعمىَ عيونه .. وجعلهُ راكضاً مُزمجراً .. ولكل شيءٍ مُدمراً .. وقد كان هذا الثورْ .. هو محورُ حديثنا .. في ذلكَ اليوم .. صبحاً ومسَاء ..
كذلكَ لا تزال تتربعْ في ذاكرتِي .. مهارتي المُتميزة .. في لعبتِي "الزحفة والبربر" .. وهي ألعابٌ أرضية مَهارية جميلة .. حيث ترسمْ لهما خطوطاً في الأرض .. تقسمْ لمربعاتٍ أو مستطيلات مُتناسقة .. ونتبادل بيننا نحنُ الصديقات الأدوار .. برمِي حجرٍ في أيدينا .. ولمربع أو مُستطيل بعينه .. ثم النطْ على رجلٍ واحدة .. حتى نصلْ إليه .. فإذا تم التقاطه بحرصْ من قبل اللاعبة .. وقد استطاعتْ أن تتخطىَ هذا المكان .. بمهارةٍ وتميز .. حتى تصل بنجاحٍ إلى النقطةِ .. التي بدأت منها .. يصبحْ هذا المربع المُحدد .. ملكْ للاعبة .. وكلما تقدمنا باللعبة .. كلما زادتْ صعوبَتها .. وازداد حماسُنا فيها .. ولقد كنتُ كثيراً ما أتفوقْ على زميلاتي .. سواءً في المدرسة أو الحِي .. وقد يكونُ ذلك لضآلةِ جسمي حينها .. وخفتهِ ومرونتهِ .. المُهم أننِي كنت أفوزْ على الجميعْ .. وأنام ليلتِي تلك .. هانئةً ومُنتشية بطعمِ الفوز اللذيذ ..
وستكون بعضْ لقاءاتنا القادمة .. إن آرادَ الله لنا لقاءَ .. وبكل الحب والوفاءَ .. لذلك الحِي الذي عشتُ فيه .. مراحلَ متباينة من الكدِ والكفاح .. بغرضِ تحقيق النجاح .. لغرضِ استكمال ذكرياتِي العديدة والجميلة .. في ذلك الحِي العريق .. حِي الرويسْ ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق