لمادة التوحيد .. أستاذ !!
من الذكريات التي يصعب نسيانها .. في مرحلة الدراسة بالثانوية الأولى .. تلك المتعلقة بمادة التوحيد .. حيث كان الذي يدرسنا هذه المادة .. أستاذ .. وليست أستاذة .. لقد كان أستاذاً قديراً .. ومتميزاً في مجاله .. ولكنه كان رجلاً ضريراً .. كم كان ذلك غريباً علينا .. في عصرنا ذاك .. أن يعلمنا رجل ..
كان ذلك الأستاذ القدير .. يحضر يومه الدراسي في مدرستنا .. الثانوية الأولى بالرويس .. كانت يوم أو يومان محددة .. يقضيها كاملاً .. في رحاب مدرستنا الحبيبة .. يتنقل بين فصولها المختلفة والمتعددة .. وأيضاً المتدرجة من سنة أولى ثانوي .. وحتى ثالثة ثانوي .. بمعنى أنه يكون في ضيافة مدرستنا .. كامل اليوم الدراسي .. ولكن كيف يكون ذلك !! .. وهو في مدرسة كلهن طالبات .. وبين معلمات .. نعم كان كذلك .. وكان حينها مقبولاً جداً .. لكونه هو الأكفأ في تدريس هذه المواد .. لذا أسندت إليه .. وبمنتهى الثقة بقدراته وإمكاناته .. وبإحترامه وتقديره .. للمكان الذي يكون فيه ..
ولكن ماذا عنا نحن الطالبات .. في تقبلنا لذلك .. وكيف يكون انضباطنا في حصته .. حين يكون بيننا .. في الحقيقة .. كنا نفضل حصة مادة التوحيد .. وذلك قبل كل شيء .. لكوننا نتسابق فيمن يقع عليها الإختيار .. لإحضار أستاذ المادة الضرير .. من مكان انتظاره في غرفة ملاصقة .. لغرفة حارس المدرسة .. لقد كنا نسعد بذلك كثيراً .. ونحن نمسك بتلك العصا التي يحملها في يده .. ونتجاذب معه بعض أطراف الحديث .. حتى نصل لفصلنا ذاك .. حيث يؤخذ مكانه المعتاد .. بالجلوس على كرسيه .. الذي يتوسط مقدمة الفصل .. عندها يبدأ الدرس ..
كان هذا الأستاذ القدير .. يقوم بكل إخلاص .. بشرح جزء الدرس .. الذي يتوجب علينا فهمه .. ذلك اليوم .. وبين كل فينة وأخرى .. يقوم بطرح سؤال علينا .. كي يتأكد من انضباطنا .. واستمرار استماعنا .. بكل تركيز لما يقول .. الغريب أنه كان يحفظ أسمائنا .. وينادي على إحدانا بالأسم .. كي تجاوب على سؤاله الذي ألقاه عليها .. نعم .. كان ضريراً .. لكنه في الحقيقة .. كان مبصراً .. بقلبه وعقله وروحه .. جزاه الله عنا خير الجزاء ..
ومن المواقف التي لا زالت عالقة في الذاكرة .. أن أستاذنا الفاضل .. أستطاع ولأكثر من مرة .. اكتشاف أصوات المتحدثات .. ويطلب بإصرار منه عجيب .. أن تقوم بالإجابة تلك الطالبة .. التي طلب منها ذلك .. وكان حقاً يبهرنا بإصراره على ما طلب .. لدرجة .. كنا نعتقد أنه قد يرانا .. لقد كان أستاذاً متمكناً في مادته ومعلوماته .. وقوياً في شخصيته .. وحانياً جداً ولطيفاً .. في تعامله معنا ..
وعندما تنتهي حصته لدينا .. فإنه يطلب منا .. أن نأخذه إلى حصته التالية .. في أي فصل دراسي .. يحدده لنا .. أو أن نذهب به إلى مكتب مديرة المدرسة .. أو إلى غرفته المعتادة .. وكان هذا الوقت .. محبباً لنا كثيراً .. ونتسابق فيما بيننا .. من تكون لها الحضوة .. في هذه الرفقة .. لكونه يؤخرنا قليلاً .. عن الإنضباط في الحصة التي تليها .. ويعطينا فرصة التنقل في رحاب المدرسة .. عندما يكون معظم الطالبات .. منضبطات في حصصهن الدراسية .. فيكون لنا بذلك بعض التميز البسيط .. والذي نبحث عنه فيما بيننا ..
يالها من ذكريات جميلة ولطيفة .. ويالها من أحداث يومية .. لا زالت عالقة في الذاكرة .. أحداثٌ ومغامرات .. كنا نعيشها بإستمتاع .. في رحاب مدرستنا الحبيبة .. الثانوية الأولى بالرويس .. وأتوقع .. من تسمع ومضتي هذه .. من زميلاتي في تلك المرحلة الدراسية .. سيعاودها الحنين لا شك .. لما مضى من تلك الأيام .. وستقول بعلو صوتها .. ألا ليت الزمان يعود يوماً ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق