أبلة شاهيناز .. ونصيحتها
لقدْ تكرر معِي .. مواقفْ بعض زميلاتْ الدراسة مرةً أخرى .. في المرحلةِ الثانوية .. وقدْ كنتُ حينها .. في الصفْ الثاني ثانوي فِي الثانوية الأولىَ بالرويسْ .. وكنتُ في تلكَ السنة .. أجلسْ في الصفْ الأول للفصل .. أي علىَ مرأىَ مُباشر من معلماتِي لتلكَ المرحلة .. وكانتْ أستاذة مادةِ الإنجليزي .. وأسمها "أبله شاهيناز" .. أستاذةٌ .. ذاتَ بنيةٍ ضخمة قوية .. يهابُها الجميعْ .. ولها صوتٌ أجشٌ جهوري .. يرعُبنا جميعنا نحن الطالباتْ .. عند وجودها معنا في الفصلْ ..
كانتْ تلك الأستاذة .. قدْ طلبت منا .. أنْ نحضر لها دفترْ أبو 200 ورقة .. بحيثْ نقسمهُ إلى أجزاء .. بفواصل مُبتكرة .. كلاً حسبْ طريقتها .. وبالفعلْ .. فقدْ أحضرتْ دفتراً لا أنسى شكلهُ ولونهُ حتى الآن .. كان لهُ غلاف جلدي بلونِي الأحمرْ والكحلي .. وقد قسمتهُ ورتبتهُ كما أرادتْ "أبله شاهيناز" .. وذاتَ مرة .. وقد رأتْ الأستاذةُ دفتري .. أعجبهَا كثيراً .. فأخذتهُ مني وقالتْ لبقيةِ الطالباتْ .. (بصو دفتر زميلتكو دا ممتاز .. أعملوا زيه) .. شعرتُ حينها بالفرحِ والإنبساطْ .. وشيءٌ من الغرورْ المُستحق .. فقدْ بذلتُ في إعدادهِ جهداً غيرَ يسيرْ ..
في نهايةِ الحصة .. أحتوتني أستاذتِي الضخمة بيديها .. وقالتْ لِي بالحرفِ الواحدْ .. " انتبهي بأه على دفترك من النهارده وطالع" .. لم أعرْ نصيحتها تلك الإهتمامْ المطلوبْ .. لكون جميعْ الطالبات .. لديهن دافترهن الخاصة بهنْ .. وكنتُ لكبر حجمْ الدفتر .. أضعهُ في درج الماصة المَدرسية .. بالذاتْ حينْ تحينْ فترةِ الفسحة اليومية .. وذاتْ يومْ لا أنساه .. عدتُ للفصلِ في الحصةِ الرابعة .. أبحثُ عن دفتري .. فلمْ أجده .. بحثتُ في كل الفصلْ .. لمْ أجده .. سألتْ جميع طالباتِ الفصلْ .. لمْ أجده .. ياإلهي .. لقدْ فقدتُ دفتري .. ونحنُ على مشارفْ نهايةِ العامْ .. ما العملْ .. وماهو الحلْ الآن .. بكيتْ .. ولم أجدْ من يحنُ عليَ .. عندها تذكرتْ "أبله شاهيناز" .. ذهبتُ إليها باكيةً .. وقلتُ لها " أبله دفتري ضاع .. دفتري أنسرق" .. ردتْ علي بغضبٍ حنونْ ..
" مش أقولتلك خدي بالك .. معليش بأه .. أعملي غيره" ..
وبالفعلْ .. أخذتْ بنصيحة أستاذتي .. أبله شاهيناز .. وبدأتْ أعدْ دفتراً آخر .. يكونُ لي مرجعاً لإختباراتِ نهاية العامْ .. والتي يتبقىَ عليها شهرٌواحدْ فقط .. أخذتُ أعيدهُ بنفس مُتألمة .. ناقلة مُحتوياته من دفتر زميلةٍ أخرى .. أرادتْ مُساعدتي .. لكون المُمتازات منهن .. رفضنَ إعارتِي دفاترهن .. حَملتها في صدري .. وتحاملتُ على نفسِي .. وبدأتُ خط سيرالإعادة ..
وذات يومْ .. وبعد مُضي أسبوعين كاملينْ .. وقد أتممتُ تقريباً .. نسخْ دفتر آخرْ .. إذا بزميلةٍ مُنافسة لي في الدرجاتِ والترتيبْ .. قد أحضرتْ لي دفتري الأصلي .. لتقول لي .. أنهَا وجدتهُ في فناء المدرسة الخلفِي .. استغربتُ لذلك .. فقد بحثتُ كثيراً في كل أركانْ المدرسة .. الأغربْ .. أنني عندما فتحتُ صفحاته .. رأيتُ أنها نظيفةٍ نوعاً ما .. مما لا يدلْ على أنهُ كان مرمياً في الساحة .. كذلك لمستُ على بعض الصفحاتْ .. بقعْ جبنة ومعها زيتْ .. حيث يبدو أنها كانتْ تنسخ منهُ ما أرادت .. وهي تتناولْ عشاءهَا في ذاتِ الوقتْ .. أخذتُ دفتري منها .. وأنا أرمُقها بنظراتٍ غاضبة وحانقة .. لتضيعيها وقتِي في النسخ والإعادة .. في حينْ كانت نظراتها لِي .. كلها لؤمٌ وغيرة .. لاحولَ ولاقوةَ إلا بالله ..
المهـمْ .. أننا نجحنا جميعنا منْ الثانوية .. وقد وصلتنِي الأخبارْ لاحقاً .. أنها قدْ أكملتْ دراستها في كلية الطبْ .. خارج المنطقة الغربية .. وأصبحتْ طبيبة .. وأنا ولله الحمدْ .. أكملتْ في كلية العلومْ .. بجامعة المُؤسس في جدة .. وأصبحتُ بروفيسورة في تخصصِي .. وكلاً منا سلكتْ طريقها .. وحققتْ ذاتها لا مَحاله .. ولكن .. تظلُ فعلتها تلكْ .. راسخةً في ذهنِي ما حييتْ ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق