دفتر الجغرافيا .. فُقــد !!
حينَ كنتُ في الصف الثانِي للمرحلةِ المتوسطة .. تعرضتُ أيضاً لثانِي دور ثانِي .. مرَ عليَ في حياتي المدْرسية .. وقدْ أستفدتُ منه عظةً كبيرة .. رغمْ مرارة التجرُبة .. أدركتُ حينهَا في سنِي الصغير ذاك .. كيفَ تكون الصداقةُ الحقيقية .. وكيف هيَ المُزيفة .. والتِي يغلبْ عليهَا .. طابعْ المصلحة المُقيــتة ..
في ذلكَ الوقتْ لم تكنْ لدينا كتباً مدرسية .. نحنُ الطالباتْ .. وكنا نعتمدْ كثيراً على دفاترنَا .. والتي نكتبْ بها .. ماتمليهِ علينا مُعلماتنا .. لذا كانَ لكلِ مادةٍ دفترهَا الخاصْ بها .. وكانَ دفتري لمادةِ الجغرافيا كاملاً مُنظماً .. مُزوداً برسوماتٍ توضيحية .. مُناسبة للدرس .. بمعنىَ أنهُ كان مرجعاً وافياً للمادة .. ومُحفزاً عالياً .. لمنْ أرادتْ الحصولَ عليهِ .. مهماَ وقدْ كانَ لها ما خططتْ له .. وتنالْ مُرادها ..
ففي فترةِ الأسبوعْ أو الأسبوعانْ .. التي كانتْ تُعطى لنا .. للإستعدادْ للإختباراتِ النهائية .. قمتُ فيهَا بإعادةِ كتابة دفتر الجغرافيا مرةً ثانية .. حيثُ استعرتُ دفتر زميلةٍ أخرىَ .. وذلكَ لكون دفتري المُتكامل .. قدْ أختفىَ من حقيبتِي .. في يومٍ بيئسْ .. ولم أجدهُ للأسف في الحقيبة .. حينَ عدتُ للبيتْ .. لذا استخدمتُ ذكائِي حينها .. وأدركتُ أنهُ عليَ إعادة نسخِه مرةً أخرى .. وانشغلتُ بكتابتهِ كثيراً .. عوضاً عن دراسة مُحتواه .. بتركيزٍ وإصرارْ..
وكنتُ قبل ذلكْ .. فِي كلِ يومْ .. أجوبْ فناءَ المدرسة .. باحثةً عنْ دفتري .. ولكنْ دون فائدة .. فهو مفقودٌ .. مفقودْ .. وكنتُ أرددُ دعائي .. أمامْ مجموعةٍ من زميلاتِي .. بأنْ الله لا يوفقْ منْ سرقتهُ مني .. وأنْ يكونْ الرسوبَ حليفها .. ولم أستغربْ حينُها .. من تلكَ التي كنتُ أحسبُها صديقتي .. والتِي كانتْ تلازمُني رحلة البحث .. قولهَا لي " حرام عليكِ .. لا تدعِي عليهَا بالرسوبْ " !!!
وحينَ حانَ يومْ الإختبارْ النهائي للمادة .. وفي صباحِ ذلكَ اليومْ .. الذي أتذكرهُ بكامل تفاصيله .. وكأني أعيشهُ الآن .. جاءتنِي صديقتي تلكْ .. التي كانتْ ترافقني طيلة سنتِي الدراسية .. جاءتنِي لتقول لِي .. أنهَا وجدتْ دفتري الأصلي .. مرمياً في إحدىَ زوايَـا المدرسة .. والتي يقمْن الطالباتْ برمِي الدفاترْ فيها .. للموادِ التِي انتهينا من اختبارها ..
الغريبْ والذي أزعجني جداً .. أنها بعدَ أن شاهدتْ معي دفتر المادة .. الذي أعدتُ كتابته .. طلبتْ مني هذهِ الصديقة .. بكلِ جرأةٍ غير مُتوقعة .. أن أعطيها دفتري الأصلي .. كي تراجعْ فيه معلومَاتها الجغرافية !! .. وقالتْ لي بالحرفِ الواحدْ "مدام عملتِي دفتر جديد .. أعطيني ذا أراجعْ فيه" .. وهنا أدركتُ الحقيقة المُرة .. والتي شاهدتُها من نظراتها .. أنه كانَ معهَا منْ اليوم الذي فقدتُه فيه .. وطبعاً بطيبتي وصدمتي .. فقدْ أخذته مني عشانْ تراجعْ منه !!!
نعم لقدْ صدمتني كثيراً .. بتصرفها السيءُ ذاك .. وأنا التي عاملتهَا كصديقة .. فلمْ أتوقع منها ذلك .. لذا كنتُ حينَ تأديتي لإختبار المادة .. فِي حالة ذهولٍ وإنزعاجْ .. فلمْ أستطعْ أن أكونَ هادئة .. وأنْ أجاوبْ بصورةٍ صحيحة .. علىَ معظمْ أسئلة المادة .. وقدْ فوجئتْ بأن الوقتْ انتهَى .. وأنا في حالةِ ذهولٍ وعدمْ تركيز .. وتشتتْ لم يسبقْ له مثيلْ ..
والذي صدمَني أكثرْ .. أنهُ فِي يومِ إعلانْ النتائجْ .. كانتْ هيَ من الناجحاتْ .. بينمَا أنا مع الأسفْ .. كانَ عليَ الإعادة .. ودخولْ إختبارات الدور الثانِي في مادة الجغرافيا .. حزنتُ كثيراً على نفسِي .. وحتىَ يومنا هذا .. فإننِي لا أنسَى نظراتُها تلك .. وهيَ فرحةٌ مسرُورة .. برسوبي في المادة .. وذلكَ عندمَا قابلتني عندَ باب المدرسة ..
نعم كرهتهَا كثيراً حينهَا .. ولا زلتُ أنزعج كلما أذكرهُا وأتذكرهَا .. لكونِها لمْ تقدرْ علاقةِ الصداقة النظيفة .. وطعَنتني في ظهري .. وأنا المفروضْ صديقتهَا .. وكنتُ حينهَا صغيرةٌ بريئة .. فهيَ تكبرُني بكثير عمراً .. وتختلفْ عنِي كثيراً .. وقاحة ودنــاءة ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق