من حكايا .. بيتي الرويس
كنتُ قدْ قلتُ سابقاً .. أن أبي يرحمهُ الله .. قد اشترىَ بيتنا الأولْ في الرويسْ .. بالتقسيط المريحْ .. من جارٍ لنا .. وأنْ والدي قد عملَ عليه .. بعضْ التحسيناتْ البسيطة .. بمعونة أحدْ أصدقائهِ المقربينْ .. يرحمهمُ الله جميعاً .. وقدْ كانَ هذا البيتْ .. له حوشْ .. يسمحُ ببناء منزلاً آخرْ .. على شرط .. أنْ نتخلصْ من حظيرةِ الأغنامْ والدجاجْ وحفرةِ الميفـا .. بمعنىَ نهجرْ القديمَ كلهِ .. كي نبحثَ عن الجديدْ ..
وبالفعلْ قررَ والدي يرحمهُ الله .. بناءَ منزلاً آخر .. في ذلكَ الجزء المتبقي من الحوش .. بيتٌ أكثرْ غرفاً .. وأفضلْ تنظيماً .. ومطبخاً صغيراً جميلاً .. مع صالةٍ لا بأسَ بها .. تتوسط ذلك الدارْ .. بيتٌ جميل نوعاً ما .. وله ذكرياتٌ أجملْ وأجملْ .. مع بعض الذكرياتْ المُزعجة بالطبعْ .. والتي ترسختْ في الذاكرة بقــوة ..
وكانَ أبي يرحمهُ الله .. قد عملَ لذلكَ المنزلْ .. أساساً قوياً نوعاً ما .. بحيث يتمكنْ لاحقاً .. من إضافةِ غرفاً علوية .. عند الحاجةِ لها .. في سطحهِ الذي كنا .. ننعمُ فيه بالراحةِ والإسترخاء .. خاصةٍ في تلك الليالي المُنيرة بنور القمرْ .. نعمْ لقد كان منزلنا .. رغمَ أنهُ منزلاً شعبياً .. إلا أنهُ كانَ مُنظماً ومُريحاً جداً للنفسْ .. وبالطبعْ أفضلْ من ذلك الأولْ بكثييير
ولأجلْ بناءَ هذا البيتْ الجديد .. والبحث عن التجديدْ .. فقد وافقتْ والدتي يرحمُها الله .. على التخلصْ من الميفـا والحظائرْ .. وعندها ركزتْ كل اهتماماتها في الخياطةِ والتطريزْ .. وتعلم كل جديدْ في مهاراتِ الطبخ التي تحبُها كثيراً .. والمعروفة عنها حينهَا في حي الرويسْ ..
وفي هذا البيتْ الجديد .. اكتملَ عددْ أفراد أسرتي الحبيبة .. فأصبحنا ماشاءالله .. أربعْ أخوات وأربعة أشقاء .. تجمعنا اللقمة الهنية .. والحنيُة الأبوية .. وحكايات أمِي الليلية .. كما أن بيتنا في الرويسْ .. سواء كانَ القديمْ أو الجديدْ .. كان داراً مضيافاً .. لكل من يزورنا .. من أقاربنا القادمين من القرية .. وكنا نسعدُ بذلك كثيراً كثيرا ..
من إحدىَ الحكاياتِ الطريفة .. التي أتذكرهُا .. وقد حدثتْ في دارنا القديمْ .. أن قدمتْ إحدى قريباتْ أمِي من الديرة .. من أجلْ زيارةِ الطبيبْ الذي في جدة .. وكان معهَا طفلٍ صغير .. لا يتجاوزْ الخمس أو الست سنوات .. وهو على ما أعتقد أبنْ أخت لهذه السيدة .. ولقدْ تركهم .. الذي أحضرهم عندنا .. وذهبَ لقضاء أمرٍ ما .. وكان من عادةِ أهلْ القرية .. عندما يقدمون لزيارةِ أحدْ .. أن يعقدوا نيةِ الصيامْ .. حتى لا يتكلفْ أهلُ الدار بضيافتهم .. ورغبةً منهم في عدمْ إحداثِ مشقة مالية أو بدنية .. لمنْ استضافهمْ في داره ..
والذي حدثَ .. ومن سوءِ حظ هذه السيدة .. والطفلِ الذي معهَا .. أن تأخرتْ عليهمْ السيارة .. والتي ستقلهمْ راجعة بهم إلى الديرة .. وقد طالَ مكوثهم عندنا .. وهي لم تتناولْ أي شيء .. وكذلك الطفلْ الذي معها .. وقد قامتْ أمي يرحمُها الله .. بتقديم الطعام للطفلْ .. وأصرت أن يأكلَ شيئاً .. لكنهُ أصرَ هو أيضاً .. على أن يكونَ مثلَ رفيقته .. ولا يأكلْ حتى تأكلْ هيَ ..
طالَ انتظارهمْ مدة طويلة .. وحزنتْ أمِي على الطفلِ كثيراً .. والذي بدأتْ عليه أحاسيسْ الجوع .. رغم عناده وإصراره .. بعدم تناولْ أي شيء .. وبالطبعْ فلم تتوانى والدتِي يرحمها الله .. في إعدادِ طعام الأفطارْ لهم .. عندما أدركتْ أن الوقتْ أدركهمْ .. ولن يعودوا إلى القريةِ قبل الغروبْ .. وحين صدحَ آذان المغربْ .. إذ بأمي يرحمُها الله .. قد قدمتْ ماكان مُمكناً إعدادهُ لهم .. وكسبت أجرهم .. وفعلاً لم تأتيهمْ السيارة .. التي ستعودُ بهم إلى القرية .. إلى مابعدْ ذلك الوقتْ .. بما يقاربْ الساعتين أو أكثرْ .. وكان ذلك الموقفْ .. راسخاً في مُخيلتي .. وكأنني أشاهدهُ الآن ..
ومن المواقفْ المزعجة التي لا أنساهَا .. والتي حدثتْ في إحدى غرفْ بيتنا الجديدْ .. في حي الرويسْ .. أن تحولت تلك الغرفة .. لختانِ البنات الصغيراتْ .. حيث كان سائداً حينها .. وكانت قدْ حضرت لبيتنا .. تلكَ السيدة التي ستقومْ بذلك .. ودخلت تلك الغرفة الخالدة في الذاكرة .. وبالفعلْ تم إدخالِ الصغيرات .. تباعاً مع إمهاتهنْ .. وكنت أسمعُ صراخ كل صغيرةٍ منهن .. ومن ثم تخرجُ كل أمْ .. حاملة صغيرتها الباكية .. بعد أن تمَ المرادْ .. وهذه الغرفةِ وإحداثها الدامية تلكَ .. أيضاً لا زالتْ متمركزة في قاع الذاكرة .. ويصعبُ جداً نسيانها ..
ولقد شهدتْ بيتي الرويسْ .. سواء الأول أو الثاني .. استكمالْ انتقالي في مراحلي الدراسية كلها .. حتى صدورْ قراري بدخول جامعة الملكْ عبدالعزيز .. رغمْ معاناة الذهابْ لها .. وذلك لبعدها الشاسعْ جداً .. عن بيتنا في ذلكَ الزمان .. لكننا للأسفْ .. تركنا بيتنا في الرويس دون رجعة .. وذلك في قرار مُفاجئ لوالدي يرحمه الله .. وأنا في بداياتِ السنة الثالثة بالجامعة ..
وبالفعلْ تم انتقالنا إلى حِي المكرونة .. حيث قضينا عاماً كاملاً في بيتْ بالإيجار .. كان هذا البيتْ واسعاً ومُريحاً .. وله حديقة خلفية جميلة .. بها شجرةٌ القشطة المُثمرة .. والتي لا زلتْ أذكرها تماماً .. وكأن طعمَ ثمرتها الشهية .. لا زالَ في فمي .. وخلال تلك السنة .. تم بناءَ منزلنا الخاصْ في ذاتِ الحي .. ولكنه أيضاً كان بيتاً شعبياً .. لقلة إمكانات والدي المادية حينها يرحمُه الله .. ولقد احتضنتْ ذاكرتِي .. بالكثيرْ من الذكريات الجميلة .. التي حدثتْ في زوايا بيتْ حِي المكرونة .. والتي أتمنىَ أن أوفقْ في سردها لكمْ .. قريباً بإذن الله ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق