عتبات الباب .. حكايــة
كان أهم ما يُميز بيتنا الأول .. والذي اشتراهُ أبي في حي الرويس .. والذي يقعْ في الجزء الجنوبي منْ الحوشْ .. والذي شملتْ التحسينات به .. أنْ عُملَ لبابه الخارجي .. عتباتٌ ثلاثْ .. على شكلِ نصفْ دائرة .. كانتْ تجعلهُ مرتفعاً قليلاً عنْ مَستوى الأرضْ .. كما أنها تُزين ذلك الممرْ الذي يفصلْ بيننا وبين بيتْ الجيران .. فبالرغمِ من بساطة البيتْ من الداخل .. إلا إن هذه العتباتْ الثلاث .. توحي بجمالهِ الداخلي .. والذي نجدهُ نحنُ في تجمعنا به .. كأسرةٍ صغيرة بدأتْ حياتها بكفاحٍ شديد .. وإصرارٍ على النجاح .. رغمَ كل الظروفْ ..
كانتْ هذهِ العتباتُ الثلاث .. هي سلوتي .. وبالذاتْ في ساعةِ العصرية منْ كلِ يوم .. عليها أرتبْ عرائسيِ اليدوية .. واتخذُ من كل عتبة مسرحاً لإحداثٍ مُتتالية .. أتخيلُ حدوثها معهم .. وأحياناً كنتُ أجلس عليها كي أرسمْ .. أو بالأحرى أشخبطْ في أحد دفاتري القديمة .. المهمْ أن لا أبتعدْ عن هذه العتباتِ الثلاثْ .. وأنا أحسُ أنني في دورٍعلوي بارز .. عندَ مرور أحدهمْ من أمام بيتنا ..
على هذه العتباتِ الثلاثْ .. لي ذكرياتٌ جميلة .. وعليها أيضاً حدثتْ ذكرياتٌ سيئة .. في الغالب نسيتُها الذاكرة .. عدا واحدة .. فإنها راسخةٌ في المخيخْ .. حينَ قام أحد الأولاد الصغار .. من يُقاربني في العمر .. بمُضايقتي بكلامٍ غير لائقْ .. فما كان مني إلا أنني عضيتهُ في أذنه .. لكوني كنتُ أعلىَ منه مُوقعاً .. حيث كنتُ على العتبةِ الدائرية الثالثة .. نعم هو الذي بدأ .. ومن دقَ البابْ يلاقِي الجوابْ ..
مسحَ أذنه وأبتعدْ .. وهو يتوعدْ ويهددْ .. أما أنا .. فقدْ دخلتْ البيتَ خائفة .. فلو علمتْ أمي بذلك .. لمَنعتني بعد ذلك من اللعبْ .. على عتبة البابْ .. وأمضيتُ ليلتي خائفة .. من ردة فعلهِ غير المُتوقعة .. أو تصرفْ والدته لو هو أخبرهَا بما فعلتْ .. وأنتظرتُ أياماً على قلقْ .. ولكن شيئاً لمْ يحدثْ .. لقدْ أسرهَا في نفسه .. وعرفَ أنه هو الذي اخطأَ علي .. وقد حمدتُ الله على ذلكَ كثيراً ..
وكانت والدتهُ على علاقةٍ ممتازة .. مع والدتي يرحمُهما الله .. وأنا أيضاً كنتُ أحبُها كثيراً .. وخلال تلك الأيامْ .. التي كنتُ خائفة فيها .. كنت أتحرجْ أن آراهَا أو أسلمَ عليها .. خوفاً من أنْ تُحادثني فيما حدثْ .. وخوفاً من أن أتلعثم في الكلام .. ولا أعرفْ أن أدافعْ عن نفسي .. لذا كنتُ أشغلُ نفسي في أي شيء .. المهمْ أن لا تراني ولا أراها .. وعشتُ أياماً على ذلك .. وأنا في غايةِ القلقْ .. بعدها اطمأنتْ روحي .. أنَ الأمر مرَ بسلام .. ولنْ يُحادثني فيه أحدْ .. وأن الحدثْ أنتهَى دون تصعيدٍ من الأهلْ ..
نعم .. لقدْ حمدتُ الله كثيراً .. لكوني لمْ أحرمْ من الجلوس على عتباتي تلكْ .. عتباتي التي لا زلتُ أذكرها وأحنُ لها .. نعمْ .. لمْ أحرمْ منها .. حتى بنَى لنا والدي يرحمهُ الله .. منزلاً آخر .. أكبرْ وأوسعْ .. في الجزء المُتبقي من الحوشْ .. نظراً لكون أسرتنا غدتْ أكبر .. نعمْ .. لقد قررَ والدي استغلال الجزء الشمالي من الحوشْ .. وبنى لنا بيتٌ ليس به عتباتٍ مُميزة .. ولكن له سطحٌ علوي لابأس به .. كان يُعتبر لنا كمتنفسٍ مُريح .. بالذات في الليالي القمرية .. لنتركْ تلك الجهة الجنُوبية من الدار .. بعتبــاتهِ وذكريــاتهِ ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق